١٩‏/٢‏/٢٠٠٩

لماذا يتعبون ؟



يوم جديد

الأرض تنكر كل فرع عاجز

تلقيه في صمت..تكفنه الرياح

بلا دموع أو أنين

الأرض تكره كل قلب جاحد

وتحب عشاق الحياة

وكل عزم لا يلين

شعر..فاروق جويدة

قصيدة..اغضب ولا تسمع أحد

ديوان..كأن العمر ما كانا


مع كل مباراة أشاهدها لفريق (ميلان) الايطالي أتوقف باعجاب عند لاعبين : باولو مالديني وديفيد بيكام..

باولو مالديني..

باولو مالديني عمره اﻵن 40عاما و8 اشهر ، ومع ذلك فهو يلعب بصفة أساسية مع ناديه في الدوري الايطالي القوي والعنيف بدنيا بجانب البطولات الأوروبية . كيف يستطيع هذا اللاعب أن يؤدي بهذا المستوى وأن يلعب طوال الدقائق التسعين وأن يركض ويقفز وينزلق وهو في هذه السن التي نادرا ما يصل اليها لاعب كرة في الملاعب ؟ ربما لأنه نموذج للاعب الملتزم داخل الملعب وخارجه ، وللانسان الذي يحافظ على صحته وعلى الموهبة التي يملكها ، ويجتهد في تدريباته وفي الحفاظ على لياقته . لكن السؤال الأهم : لماذا ؟ لماذا يبذل كل هذا الجهد ؟ باولو الذي كان والده تشيزاري مالديني لاعبا مرموقا بالميلان ثم مدربا لم يعتمد على ذلك في الوصول ، لكن اعتمد على جهده وموهبته التي جعلته واحدا من أهم لاعبي العالم ، لماذا يلعب الى اﻵن ؟

المال؟ لا ينقصه. الشهرة ؟ لن تفارقه حتى يوارى التراب . الأرقام القياسية ؟ لديه منها ما يحتاج الى سنوات وسنوات كي يحطمه غيره (اكثر اللاعبين مشاركة في تاريخ الدوري الايطالي ، وأكثر لاعبي ايطاليا في المشاركات الدولية ،وأكثر لاعبي العالم وصولا لنهائي دوري الأبطال الأوربي ، وقميصه ذو الرقم 3 سوف يحجب بعد اعتزاله تخليدا له ، ولن يمنح الا لأحد أبنائه في حال احترف الكرة ) . موقعه مضمون في الجهاز الفني لناديه أو في أي مكان يحبه . لكنه يعمل لأنه يحب ناديه ويريد أن يساعده على الفوز ، ويدرك قيمته كقائد ورمز لناديه ، ولكي يسعد جماهيره ، ولأنه يدرك أن الاجتهاد في العمل هو في حد ذاته قيمة .

ديفيد بيكام

لاعب هو الأشهر في العالم ، تحدثت الدنيا كلها عن انتقاله التاريخي الى لوس أنجلوس جالاكسي الأمريكي ، والمبلغ الخرافي الذي يتقاضاه ، يلعب في دوري ضعيف بالنسبة لمستواه ..باختصار ليس في حاجة لأن يبذل أي جهد ، يكفيه أن يتنزه مع صديقه توم كروز ، ويحضر الحفلات مع زوجته المغنية فكتوريا ، وينفق أمواله الطائلة كيفما شاء ، ويتطلع الى الوراء لتاريخه الطويل مع مانشستر يونايتد وريال مدريد والمنتخب الانجليزي . لكنه لم يفعل شيئا من ذلك ، وقرر أن يستغل فترة الراحة بين الموسمين في الدوري الأمريكي ، وذهب معارا الى فريق ميلان ، ليبدأ في سن تقارب 34سنة رحلة في الدوري الايطالي الرهيب الذي لم يسبق له اللعب فيه ، ثم يبذل جهدا كبيرا في التدريبات لاقناع مدربه باشراكه أساسيا ، ويبذل قصارى جهده في المباريات ، يؤدي دوره في الجناح الأيمن ويساند في الوسط ويعود للدفاع ، ويحرز هدفين حتى اﻵن ، حتى أقنع المدير الفني للمنتخب الانجليزي باعادة استدعائه للمنتخب . لماذا ؟لأنه نجم حقيقي ، يعرف قيمة العمل وقيمة الاسم الذي صنعه ، ويحب اللعبة ويبذل كل ما لديه ليبدع فيها ، ويحترم جمهوره ومتابعيه ويحرص أن يكون قدوة جيدة لمن يشاهده .

هل عندنا – في الكرة أو في غيرها – من يعرف شيئا اسمه قيمة العمل ؟

٢‏/٢‏/٢٠٠٩

على الأرض..أم فوق السحاب ؟

يوم جديد
وأود أن أحيا بفكرة شاعر
فأرى الوجود يضيق عن أحلامي
شعر..أبي القاسم الشابي
قصيدة..قيود الأحلام
يقول ﺇبراهيم ناجي :
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة
ويقول نزار قباني :
وأشعر أني أؤسس شيئا
وأشعر حين أحبك أني
أغير عصري
ويبدو في هذا الكلمات الفارق بين المنهج الذي يتبعه كلا الشاعرين في أشعار الحب التي أبدعها كل منهما ، ناجي في النصف الأول من القرن الفائت ، ونزار في نصفه الثاني .
يتحدث ناجي عن حبيبة هي أقرب الى التقديس ، وصفها مثالي تماما خال من أي نقص بشري ..يحدثها وهو ينظر الى أعلى ..الى السماء..
أنت يا معجزة الحسن ملك
كل لفظ منك شعر قدسيّ
ويقول :
قدماك ما انتقلا على درجِ
حاشاك بل خطرا على ثبجِ
كسفينة خفت على اللججِ
نشوى بما حملت من الفرجِ
تأمل هذا الوصف في قصيدة (الخريف)
أي سر فيك اني لست أدري
كل ما فيك من الأسرار يغري
خطر ينساب من مفتر ثغر
فتنة تعصف من لفتة نحر
قدر ينسج من خصلة شعر
زورق يسبح في موجة عطر
في عباب غامض التيار يجري
واصلا ما بين عينيك وعمري
لا يصف ناجي ما تراه عيناه ، أو لا يعطي المادة المحسوسة اعتبارا قدر ما يعطي خياله وروحه التي تنشد الجمال المطلق ..
مكان اللقاء عند ناجي هو دائما الطبيعة ..الخمائل والشجر والماء الرقراق
لك في خيالي روضة فينانة ﹼ
غنّى على أغصانها شاديها
ويقول في (الأطلال )
يا حبيبا زرت يوما أيكهﹸ
طائر الشوق أغني ألمي
تأمله وهو يتحدث عن طريق ليس فيه ﺇلا هو ومن يحب :
ومشينا في طريق مقمرﹴ
تثب الفرحة فيه قبلنا
وتطلعنا ﺇلى أنجمه
فتهاوين وأصبحن لنا
وضحكنا ضحك طفلين معـﴼ
وعدونا فسبقنا ظلنا !
وفي جنح الليل الساكن الوديع ..
يا لها من حقبة كانت على
قصر فيها كـﺂماد فساحﹾ
نتمنى كلما امتدت بنا
أن يظل الليل مجهول الصباحﹾ !
ويقول في (الوداع) :
يقظة طاحت بأحلام الكرى
وتولى الليل والليل صديقﹾ
هذه الصورة السامية للحبيبة ، يقابلها شعور باستحالة امتلاكها ، فالبشري الضعيف لا يمكنه أن يصل ﺇلى الملك النوراني البعيد ، تأمل قوله في قصيدة (الغد) :
يا جنان الخلد قدمت اعتذاري
ﺇذ يطوف الخلد سقمي ودماري
أيها اﻵمر في ملك الهوى
اعف عن لهفة روحي وأواري
أشتهي ضمك حتى أشتفي
فكأني ظامئ آخذ ثاري
غير أني كلما امتدت يدي
لعناق ..خفت أن تؤذيك ناري !
ولذلك فاللقاء بينهما لقاء خاطف كالحلم ..لا يلبث أن ينتهي ويخلف الشاعر لى هجر طويل ومعاناة طويلة ..
حلم كما لمع الشهاب توارى
سدلت عليه يد الزمان ستارا
وحبيس شجو في دمي أطلقته
متدفقا ودعوته أشعارا
ويقول في (الخريف) :
أخيالا كان هذا كله ؟
ذلك الجسر الذي كنا عليه
والمصابيح التي في جانبيه
ذلك النيل وما في شاطئيه
وشعاع طوفت في مائه
وظلال رسبت في ضفتيه
وحبيب وادع في ساعدي
ووعود نلتها من شفتيه !

مثالي في حبه تماما ، لا يتحول عن الاخلاص مهما يكن ، وكثيرا ما يعتبر هذا الأخلاص قيدا لا يمكنه الفرار منه :
لا أنت نائية ولا أنا نائي
ﺇني لديك مقيد بوفائي
.......................
لم أقيدك بشيء في الهوى
أنت من حبي ومن وجدي طليقﹾ
الهوى الخالص قيد وحده
رب حر وهو في قيد وثيقﹾ
بل هو يتمنى العودة ﺇليه لو ابتعد
كم تقلبت على خنجره
لا الهوى مال ولا الجفن غفا
وﺇذا القلب على غفرانه
كلما غاربه النصل ..عفا
حتى بعد الفراق لا تجده الا فيما ندر يثور أو يسخط ، بل يحمل الحب والامتنان ..يتضح ذلك في بيته بقصيدة (شفاعة)
لا تنكرن الشمس عند غروبها
أوما نعمت بدفئها وظلالها ؟

هو ﺇذن يخلق عالما مثاليا تماما..حبيبة ملائكية ، ومحب مخلص لا يتحول عن الاخلاص ، ولقاء في أحضان الطبيعة الخلابة..ولذا تجد شعره صافيا موسيقاه رائقة وجمله سلسة يزينها حسن التقسيم وأبحره رقيقة كالرمل والرجز ، هذه النظرة ، وهذا السمو فوق الواقع العادي بتفاصيله ومتاعبه وكل صور القبح التي لا يخلو منها يجعل الحب في شعر ناجي تحليقا روحيا لا تطاله رغبات الجسد
وتلاشت واختفت أجسادنا
واعتنقنا في الدجى روحا بروح
بل يمنحه سموا فوق البشرية نفسها ..تأمل هذا البيت الرائع من الأطلال الذي لم تغنه (أم كلثوم)
ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مسنا !
فوق عالم البشر بأكمله..
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة !
*****
عند الحديث عن نزار قباني فالوضع يختلف ، فنحن أمام شاعر بدأ منذ ديوانه الأول بلغة مختلفة عن السائد ، وأدهش الكل بمفردات مستقاة من الحياة اليومية وبقصائد بعناوين (تليفون) و(أثواب) ، هو دائما يصف ما تراه العين ، يصف شيئا حقيقيا لكنه يغلفه باحساسه الخاص وخياله ..
شال الكشمير على كتفيك ..
يرق حديقة ريحان ِ
يدك الممدودة فوق يدي
أعظم من كل التيجان ِ
ويقول :
ﺇذا جئتني ذات يوم بثوب ﹴ
كعشب البحيرات أخضر أخضرﹾ
وشعرك ملقى على كتفيك
كبحر..كأبعاد ليل مبعثر ﹾ
نزار يعيش عالما واقعيا ، فهو يتحدث ﺇلى حبيبته عبر الهاتف ويجلس معها بالمقهى ويقرأ معها الشعر . تأمل حديثه المتكرر عن المقهى ..
دخلت اليوم للمقهى
وقد قررت أن أنسى علاقتنا
وأدفن كل أحزاني
وحين طلبت فنجانا من القهوه
خرجت كوردة بيضاء
من أعماق فنجاني
..............................
أجلس في المقهى منتظرﴽ
أن تأتي سيدتي الحلوه
أبتاع الصحف اليوميه
أفعل أشياء طفوليه

يقول في (بعد العاصفة) :
اني أحبك كيف يمكنني
أن أشعل التاريخ نيرانا
وبه معابدنا..جرائدنا
أقداح قهوتنا..زوايانا

وفي (ماذا أقول له ؟)
رباه أشياؤه الصغرى تعذبني
فكيف أنجو من الأشياء رباهﹸ
هنا جريدته في الركن مهملة
هنا كتاب معا كنا قرأناهﹸ
على المقاعد بعض من سجائره
وفي الزوايا بقايا من بقاياهﹸ

وفي الوقت الذي يبدو فيه ناجي ضعيفا أمام حبيبة مقدسة ، فنزار يجعل نفسه قويا معتزا بنفسه وبشعره ..فهو يقول متحديا من ينافسه في العشق :
أتحداهم جميعا
أن يخطوا لك مكتوب هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوك على كثرتهم
بحروف كحروفي
وكلام ككلامي
ويقول:
كتبت بالضوء عن عينيك هل أحد
سواي بالضوء عن عينيك قد كتبا ؟
وكنت مجهولة حتى أتيت أنا
أرمي على صدرك الأفلاك والشهبا
بل يزيد أن يفخر بحبيبته أيضا ، ويرفعها – معه – الى السماء :
يا التي من وجهها
تسقط أقمار الذهب
يا التي من صوتها
يبدأ تاريخ الأدب
يا التي تمشي
ويمشي خلفها حقل سنابل
وفي قصيدة (وقبلك كل النساء افتراض )
وقبلك ما كان للبحر اسم
ولا كان للورد اسم
ولا كان للشمس اسم
ولا كان مرعى
ولا كان عشبﹸ
وقبلك كل النساء افتراض
وكل القصائد كذب ﹸ
وتمثل الطبيعة جزءا مهما من شعر نزار قباني ،لكنها ليست الطبيعة الحالمة التي يرسمها ناجي من خياله ويهرب اليها من واقع الحياة ، بل هو يصف الطبيعة التي تراها عيناه ، في دمشق ، وفي بيروت ، وفيﺇسبانيا ، وأينما ذهب ، يحكي عن الشجرة الضاربة جذورها في بيته القديم بدمشق ، وعن البحر الذي يجلس أمامه في بيروت . يقول في (حبك طير أخضر):
حبك ينمو وحده
كما الحقول تزهرﹸ
كما على أبوابنا
ينمو الشقيق الأحمرﹸ
كما على السفوح
ينمو اللوز والصنوبرﹸ
كما بقلب الخوخ
يجري السكرﹸ
وفي (مع بيروتية)
بيروت تغيب بأكملها
رملا..وسماء..وبيوتا
تحت الجفنين المنسبلينﹾ
يصف نزار قباني ساعة الفراق بشكل غارق في واقعيته في قصيدة (ألا تجلسين قليلا ؟)
ألا تجلسين قليلا ؟
ألا تجلسين ؟
فان القضية أكبر منك
وأكبر مني
كما تعلمين
....................
ألا تجلسين لخمس دقائق أخرى
ففي القلب شيء كثير
وحزن كثير
وليس من السهل قتل العواطف في لحظات ﹾ
والقاء حبك في سلة المهملاتﹾ
فان تراثا من الحب والشعر والحزن
والخبز والملح والتبغ والذكرياتﹾ
يحاصرنا من جميع الجهاتﹾ
هذا التركيز على تفاصيل الواقع لا يجعله يسقط في الركاكة أو الابتذال ، ولكنه يأخذ المحسوسات ليمنحها من شاعريته ما يرتقي بها الى عالم الخيال والحلم ، فنجان القهوة لا يتوقف على كونه عادة يومية لكنه قد يقرأ ويبين المستقبل الخفي أو يبين أعماق النفس ، كما في (قارئة الفنجان) ، وكما يقول في (مع بيروتية):
المطعم أصبح مهجورا.
وأنا أتأمل فنجاني
ماذا سيكون بفنجاني
غير الأمطار ..وغير الريح
وغير طيور الأحزان ِ
ويتحدث عن حيرة التفكير في هدية عيد الميلاد ليرتفع بقيمة الشعر ..
في عيد ميلادك العشرين يا قمري
فكرت..فكرت في ما سوف أهديهِ
كل الخيارات تبدو لي محددة
يا من لعينيك كل العمر أعطيه
فكيف يفرح ﺇنسان حبيبته
ويكشف القلب عن أحلى أمانيه
الورد ؟ أصبح تقليدا اضيق به
والعطر ؟ لا امرأة الا وتقنيه
لذا سأرسل يوم العيد سيدتي
كتاب شعر فأرجو أن تحبيه

ومع نهاية العلاقة فقد يتحول الى الهجوم أو الثورة ، وتتحول رقته الى عنف بالغ :
أبعدي الوجه الذي أكرهه
أنت عندي في عداد الميتين
وفي قصيدته (النقاط على الحروف)
انزعي عنك الثياب المسرحيه
وأجيبي
من بنا كان الجبانا ؟
من هو المسئول عن موت هوانا ؟
من بنا قد باع للثاني القصور الورقيه ﹾ؟
من هو القاتل فينا..والضحيه ؟
من ترى أصبح منا بهلوانا
بين يوم وعشيهﹾ ؟
هو ﺇذن بشر يغضب ويثور ، بعيد عن المثالية أو الملائكية ، بعيد أيضا عن فكرة الحب العذري ، فالوصف الجسدي يتواجد كثيرا في أشعاره ..
لم تبق زاوية بجسم جميلة
ﺇلا ومرت فوقها عرباتي
لكن نظرته للجنس ترتفع عن مجرد ﺇشباع الغريزة ، يراه تتويجا للحب ، وحالة من الامتزاج والتوحد بين المحبين ..فهو يقول في قصيدة (الدخول ﺇلى البحر)
حدثت تجربة الحب أخيرا
حدثت من غير ﺇرهاب ولا قسر
فأعطيت ﹸوأعطيت ﹺ
وكنا عادلين ﹾ
حدثت في منتهى اليسر
كما يكتب المرء بماء الياسمين
ويتضح ذلك أكثر وأكثر في قوله :
فالجنس في تصوري
حكاية انسجامِ
كالنحت..كالتصوير ..كالكتابهﹾ
وجسمك النقي كالقشطة والرخام ِ
لا يحسن الكتابهﹾ
ويتحدث عن فقدان اللذة معناها في غياب الحب في ختام قصيدة (2000 تحت الصفر )
طلع الصباح وأنت جالسة
على طرف السرير ﹾ
وأنا أفتش تحت سطح الثلج
عن حبي الكبير ﹾ
طلع الصباح ولم أجد
حبي الكبير ولا الصغير ﹾ
هو في حبه بشر كسواه ، يعشق ويعتب ، يحنو ويثور ، يشبع غرائزه ، يصنع رومانسيته من الأشياء الصغيرة المحيطة به ، وينشد للحب وللجمال .
هكذا يبدو طريق اثنين من أهم شعراء الحب في القرن العشرين ، واحد يصنع حبه على الأرض ، واﻵخر يحلق مع أحلامه فوق السحاب .

١٦‏/١‏/٢٠٠٩

الألم

يوم جديد
الدم قبل النوم
نلبسه رداء
والدم صار ماء
يراق كل يوم !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الموت في الفراش
" في الحياة العادية حين يتشابك الناس ويتضاربون ليس هذا بضرب ، فاحساس المضروب أن باستطاعته أن يرد الضربة يخفف كثيرا من وقع ما يتلقاه ، والألم الذي ينتج عنها يتبخر في الحال ويستحيل الى حافز يدفع صاحبه للهجوم والانقضاض . بالاختصار أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرا أن ترده ..أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه ولا حرية لك ولا حق ولا قدرة لديك على رده..هناك تجرب الاحساس الحقيقي بالضرب ، بألم الضرب ، لا مجرد الألم الموضعي للضربة أو الألم العام الناتج عنها ، انما بألم آخر مصاحب ..أبشع..أقوى ، ألم الاهانة . حين تحس أن كل ضربة توجه الى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى الى كيانك كله ، الى احساسك وكرامتك كانسان . "
جزء من رواية (العسكري الأسود ) لـ (د.يوسف ادريس) يقفز الى ذاكرتي في هذه الأيام .

١٢‏/١‏/٢٠٠٩

أزمتهم وأزمتنا

يوم جديد
يا تلاميذ غزةٍ لا تبالوا
باذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا..اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
ﺇننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا
ويتامى لا يملكون عيونا

شعر..نزار قباني
قصيدة..الغاضبون

من بين كل مشاهد القتل والخراب المتكررة التي تأتينا كل لحظة من غزة ، هل هناك جديد سوى أعداد الشهداء والمصابين التي تتزايد – بشكل مفزع- كل يوم ؟
ربما..هذه المرة لم تعقد قمة عربية يجتمع فيها القادة العرب ، ليمطروا الشاشات والصحف بعبارات الشجب واﻹدانة والاستنكار والرفض (من حسن حظهم أن اللغة العربية لغة ثرية جدا وبها كثير من المفردات لنفس المعنى) ، كانوا أكثر صراحة مع أنفسهم هذه المرة ، واعترفوا – ضمنا – بعدم جدوى هذه القمم . ربما الجديد أيضا ، هو كم الهجوم الذي يصب على المقاوم (حماس) وعلى حزب الله وﺇيران ، بما يكاد يوازي أو يزيد على ما يوجه ﻹسرائيل ..وهذه المحاولات (المريبة) لتصوير هؤلاء على أنهم أشد خطرا من ﺇسرائيل .
لكن أمام كل ما يجري في غزة ماذا فعلنا ؟
أتحدث هنا عن مصر ، فهي التي تعنيني ، ولا شأن لي بالدول العربية الأخرى ، لا بموقفها من العدوان ، ولا بالاتهامات التي كالتها لمصر ، وكما كتب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) من قبل فان تصوير القضية الفلسطينية كان خاطئا منذ بداية الأزمة ، فهي ﺇن كانت بالنسبة لدول عربية أخرى بلدا شقيقا في العروبة واﻹسلام ، فهي بالنسبة لمصر بلدة جوار تفصلنا عنها حدود ، وقضيتها هي قضية (أمن قومي مصري) ، وﺇذن فنحن منغمسون في القضية شئنا أم أبينا . والقتلى الفلسطينيين ليسوا مجرد شهداء في بقعة من الدنيا نترحم عليهم ، ونحزن لما يجري فيهم ، ثم نواصل حياتنا العادية ، بل ﺇن دماءهم تتناثر علينا ، ومصابيهم يعالجون في مستشفياتنا (ليس بدافع الأخوة ولكن لأنها الأقرب مكانا ) ،وأظن الضابط المصري الذي قتل على الحدود ليس ببعيد ، ولا الضابطين والطفلين الذين أصابتهم شظايا صواريخ ﺇسرائيلية في رفح المصرية . وبالتالي فتخاذل النظام المصري في فتح المعبر ، وفي القيام بأي ضغط سياسي على ﺇسرائيل لا يؤثر فقط على ﺇخواننا في فلسطين ، بل ينسحب علينا في مصر ، ومن المؤسف أن دولة من خارج المنطقة ، غير عربية وغير مسلمة ، كفنزويلا تقوم بطرد سفير ﺇسرائيل من أراضيها كاحتجاج (ﺇنساني) ، ولا يكون التحرك المصري على نفس المستوى ،والأسوأ أن يصدر في نفس الوقت حكم قضائي ثان بعدم شرعية تصدير الغازﻹسرائيل ، ويضرب به عرض الحائط .
باختصار..
*النظام المصري قد لا يسعده ما يجري في غزة ، لكنه غير مستعد للتضحية بالصداقة اﻹسرائيلية – الأمريكية وخسارة صفقات مثل تصدير الغاز من أجل ﺇنقاذ الموقف .
*النظام في الوقت نفسه ، سيرتاح لسقوط حماس ، ويستغل الفرصة لشن الهجوم عليها وعلى التيار اﻹسلامي عموما ، ومنه اﻹخوان في مصر ، وهو يقدم نفسه للعالم على أنه المنقذ من خطر هذا التيار، وهو ولو كان لن يشارك في الاعتداء عليها ، لكن لن ينهض بكل قوته لتخليصها .
*الحكومة المصرية لا تلقي بالا بأي ضغط شعبي ، أو بالرأي العام ، ﺇضافة ﺇلى أنه ضغط غير منظم وعفوي ومؤقت ، سوف تتعامل معه ﺇما بالتجاهل ، أو بالتشديد الأمني واعتقال المتظاهرين ، وبعض تصريحات التهدئة (وتبدو المفارقة بين قادة ﺇسرائيل الذين يروجون للعدوان على أنه تأمين لمواطنيهم لكسب أصواتهم في الانتخابات القريبة بينما لا تمثل أصوات المواطنين لدينا لا في الانتخابات ولا في المظاهرات قيمة تذكر ! )
*كل ما هو متوقع من الدبلوماسية المصرية هو اتفاقات (ودية) مع الجانب اﻹسرائيلي من أجل (تخفيف) العدوان أو (السماح) بدخول مساعدات أو اﻹسراع بانهاء العمليات ولن تستجيب لها ﺇسرائيل ﺇلا بعد تحقيق أهدافها وفرضها على الأرض .
*لا يبدو واضحا لدى كثيرين أن الدولة الصهيونية التي تزداد قوة وغطرسة وتنكيلا بأعدائها ، ذات الميول التوسعية ، لا توجد في المريخ ولكن على حدودنا !

١٦‏/١٢‏/٢٠٠٨

زﹶبد

يوم جديد
شاك الى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
شعر..خليل مطران
قصيدة..المساء
" هكذا أصبح الوضع جيدا "
تمتم بها لنفسه بعد أن أحكم تثبيت الكرسي في الرمال ، وعدّل من وضع المظلة بحيث أصبح وجهه في مأمن من وهج الشمس ، وجلس مسترخيا وأخذ ينظر ﺇلى البحر الواسع أمامه ..
" ها أنا أفعل ما طلبوه فهل سينفع بشيء ؟ "
لم تكن لديه رغبة في السفر ، فلماذا يقطع كل هذه المسافة ليجلس على الشاطئ وقد انتهى الصيف وليس معه أحد من أصحابه ؟ ولكنه لم يجد شيئا ﺁخر ليفعله ، فاستسلم لرغبة والده الذي ألح عليه أن يسافر ويخلو بنفسه أمام البحر..
" أتظن أن هذا الخضم الواسع لن يقدر على حمل همومك البسيطة هذه ؟ "
هكذا قال له أبوه فهل قالها عن قناعة أم أنه يغريه بأي طريق للخروج مما هو فيه وحسب؟
قال لنفسه : لن أخسر شيئا من التجربة .
***
الجو الخريفي اللطيف ، والشاطئ الخالي ﺇلا من قليلين يتناثرون هنا وهناك ، صنعا حالة من الهدوء لم يكن يفضلها عادة لكنها قد تكون الأنسب في هذه الظروف ، فقد أصابته حالة من الاكتئاب بعد حادث السيارة الذي تعرض له ، ورغم أنه لم يصب بسوء ، وخرج على قدميه سالما ، ﺇلا أن التلف الكبير الذي تعرضت له السيارة لم يترك له سبيلا سوى أن يبيعها بثمن بخس ..يعتريه الضيق كلما تذكر لحظة خروج السيارة عن سيطرته ، وﺇحساسه أنها تقفز به في الهواء ثم وهو يراها كتلة من الحديد والزجاج المهشم ..
قال له أبوه ﺇن المهم هو سلامته ، ولم يعنفه – كعادته – على تهوره وقيادته السريعة ..هكذا قال هو أيضا لنفسه ولكل من سأله عن أمر الحادث ، لكنه لم يكن في داخله مقتنعا ، ظل شيء ما يؤرقه ، وبدأ يعزف عما حوله ومن حوله ، ويتحول ﺇلى العزلة وﺇطالة التفكير ..
بقي على هذا لفترة ، ثم عاد للخروج – مضطرا – مع بداية العام الدراسي ليذهب ﺇلى الكلية ، ولم يغب عن زملائه أنه ليس كعهدهم به ، حتى انتهى الأسبوع الأول وأتت نصيحة والده التي أيدها صديقه ( عادل ) ..ابتسم وهو يتذكر كلمات (عادل) حين قال له بحماس :
" ﺇنها فرصة لترى نفسك في مرﺁة البحر "
كعادته يفلسف كل شيء ، ويقول الكلام الكبير الذي يطالعه في الكتب ، ولم يفت عليه أن يهديه واحدا من كتبه رغم علمه أنه لا يحب القراءة ..
***
لم تختلف أفكاره في جلسته أمام البحر عن الأفكار التي كانت تعاوده في عزلته الأخيرة .. لا يعتقد أن تلف السيارة وحده سبب كل هذا ، فأبوه لم يغضب ، ويمكنه أن يشتري أخرى دون عناء ، لكن هناك دائما شيئا ينغص استمتاعه بوقته ، هناك شيء ناقص يجعله يشعر بالملل والضيق لأتفه الأسباب ..ها هي الأفكار نفسها التي لا تتركه تعود لتجر بعضها بعضا ، ولا يضيف الجلوس هنا سوى مزيد من الملل .
رأى أن يكسر الملل بالاستماع ﺇلى اﻹذاعة عبر المسجل الصغير الذي يحمله ، وجد أغنية يحبها وبدأ يهتز برفق مع ﺇيقاعها السريع ، ولكنها سرعان ما انتهت وحلت محلها مقطوعة موسيقية هادئة ..
" الكل يتـﺂمر عليّ اليوم ! "
لم يكن يحب هذا النوع من الموسيقا ، بل كان دوما يندهش من هؤلاء الذين يحضرون حفلاته ، ويجلسون ثابتين في مقاعدهم لسماع هذه اﻹيقاعات الرتيبة التي لا يصاحبها غناء ..ولم يطل صبره أكثر من دقيقتين حتى تحول ﺇلى محطة أخرى ، ثم ما لبث أن قام ليوقف كل هذا ويلبي نداء الجوع ..
***
مع العودة للتفكير عاد السؤال نفسه ﺇلى عقله :
" لماذا لا أشعر بسعادة حقيقية ؟ "
مع أن من أسبابها ما يتوافر لديه ويحسده عليه كثيرون في مثل عمره .. أب ميسور الحال لا يبخل على ابنه الوحيد الذي فقد أمه طفلا – بشيء ، ولا يضايقه بشدة في المعاملة أو بأي قيود على حريته ، ودراسة لا يحبها كثيرا لكنه ليس ناقما عليها ..أبوه يحبه لا شك ، وهو أيضا يبادله الحب ، ربما لا يتبادلان الحديث طويلا فهو يقضي أغلب الوقت مع أصحابه أو في دراسته ، وأبوه أيضا منهمك في عمله الذي لا يعرف هو عنه الشيء الكثير ، لا يقضيان أوقات ممتدة معا لكن الأمور تسير طيبة ، أو كانت كذلك ..
زفر وأخرج من حقيبته الكتاب الذي أعطاه ﺇياه (عادل) ..لم يكن يجد متعة في القراءة ، فأية متعة في ﺇجهاد عينيه ورأسه في كلام منثور على أوراق ؟ جعل يقلب في صفحات الكتاب . يقول (عادل) ﺇنه كتاب صوفي ، ماله بهؤلاء الذين يدورون حول أنفسهم وينشدون كلامهم الغريب ؟
تركه وراح يتذكر آخر مرة ذهب فيها ﺇلى البحر، كانت قبل شهرين برفقة أصحابه ، وقضوا أياما يسبحون و يلهون على الشاطئ ويتنزهون في كل مكان ، لكنه لا يذكر من هذه الأيام - على قربها - ﺇلا القليل .. لا يذكر ﺇلا بعضا من الصور الباهتة المتباعدة ، بينما رائحة البحر تبقى .
" لماذا لا تنسى هذه الرائحة ؟ "
اندهش .
***
مع الغروب لم يعد هناك مفر من التأمل ، خاصة مع هذا الصفاء الذي يغلف السماء ، وحالة الهدوء المطلق التي لا يكسرها سوى دفقات الأمواج التي تقبل وتبتعد في أصوات منتظمة متناغمة . بدا له الماء أكثر نقاء ، ورائحة البحر كأنها تتسلل داخل نفسه ، لماذا يحمل هدير الأمواج هذا الصوت المميز ؟ ربما لا يكون جميلا لكنه مميز..خاص..لا يمكن أن يسمع من مصدر ﺁخر .,كأنه صوت شيء خفي لا يبصر ، شيء في باطن هذه الزرقة وتحت هذا الزبد الأبيض ، يخفيه هذا البحر الذي يخفي في أعماقه الكثير ..يعود السؤال :
" لماذا لا تكتمل سعادتي أبدا ؟ "
فكر أن الله قد يكون غير راض عنه . يصلي أحيانا لكن كثيرا ما يتكاسل ..ربما يحتاج أن يكون أكثر مواظبة على العبادة ، فلعل هذا يبعده عن الضيق والهموم . راقت له الفكرة ، تبدو أفضل من الحيرة التي يدور فيها منذ بداية الأزمة .. ربما لو اجتهد أكثر في الدراسة فسوف ينسيه انهماكه كل شيء..لم لا ؟
راح يعب من النسيم الرائق بهدوء وعمق ، ويزيد من تطلعه ﺇلى البحر ..كأنه يستنطقه..لاحت في ذهنه صورة معلقة في البيت لأمه وهي تحمله رضيعا..هل يفتقدها ؟ لا يذكر عنها الكثير فقد ماتت وهو لا يزال في طفولته المبكرة ، لكن ربما لو كانت موجودة لأخرجته من حيرته ، أو لأعطى وجودها روحا مختلفة لكل شيء..
بقي على حالته يفكر، ثم وجد ذهنه قد أرهق فتوقف واكتفى بالتمتع بالنسيم البارد المنعش . فجأة قام متحمسا ، لكنه لم يكن حماسا لصنع تغيير جذري في حياته ، بل لينظر عن قرب ﺇلى الحسناء التي مرت من أمامه في ثياب البحر..

١٩‏/١١‏/٢٠٠٨

حدث في مثل هذا اليوم !




يوم جديد
اني لأفزع كلما جاءت
خيول الليل نحوي
يحتويني الهم..يخنقني الضجر
شعر..فاروق جويدة


أقسم أن كل شيء يتكرر !
***
حتى الفيلم الذي ذهبت لأشاهده دفعا للملل كان يحكي عن التكرار ! ففكرة فيلم (زي النهاردة) تقوم على أن البطلة تواجه أحداثا تتكرر بنفس تواريخها..تتعرف على شاب ثم يصارحها بحبه في تاريخ معين ثم يموت لتتعرف على آخر في تاريخ مشابه ويصارحها بالحب في نفس تاريخ مصارحة الأول ، لتجد أن كل شيء يتكرر أمامها ..
***
الصورتان أمامك ليستا لنفس المكان كما قد تظن ، ﺇحداهما لحزب الغد والأخرى لحزب الوفد ، لابد أنك شاهدت أو قرأت عن حريق حزب الغد في السادس من نوفمبر ، حين خرجت مسيرة طويلة لموسى مصطفى موسى وأنصاره أمام الحزب ثم اشتباكات مع جميلة ﺇسماعيل وأنصارها – جبهة نور- الموجودين داخل المبنى ونيران اشتعلت وقنابل مولوتوف ألقيت في الهواء في ظل غياب للأمن ثم اتهامات متبادلة بين الطرفين ،لابد أيضا أنك عدت بالذاكرة لحريق حزب الوفد وصراع نعمان جمعة ومحمود أباظة ..حتى النظام الحاكم لا يغير طريقته في تدمير معارضيه ..الحريق باستخدام الصراعات الداخلية . لا بأس أن أذكرك أن كلا من وصيف الانتخابات الرئاسية أيمن نور وصاحب المركز الثالث نعمان جمعة ذهبا بعد الانتخابات للمصير نفسه..السجن. لا بأس أيضا أن نتذكر أن نور نفسه كان في البدء عضوا بحزب الوفد ..
***
في كل مرة أذهب ﺇلى الكلية بعد ظهور النتيجة ، لكن شاءت الظروف أن أذهب هذه المرة فأجدها لم تعلق بعد وأجلس في انتظارها مصحوبا بتوقعات أعرف أنها ستخيب كما يحدث دوما ..تأتي وأجدني حصلت على التقدير نفسه في المواد كلها بل على نفس النسبة المئوية تقريبا ..وهو بالمناسبة التقدير العام نفسه الذي حصلت عليه في العام السابق وقبل السابق !
***
أقرأ خبرا عن اختيار رئيس لمجلس الشعب ..ولدهشتي أجد الرئيس (الجديد) هو د.أحمد فتحي سرور !
***
بعد سوء النتائج يقرر مجلس ﺇدارة الزمالك تغيير الجهاز الفني المعاون واﻹبقاء على المدير الفني الأجنبي (الذي يتفق الجميع على فشله) ويتم اختيار أحمد رمزي للمهمة (للمرة الثالثة ربما في السنوات الأربع الأخيرة) ليكون أول تصريح للجهاز الجديد بعد اﻹخفاق في الفوز بأول مباراة هو الجملة المأثورة نفسها :
الدوري لا يزال في الملعب
مع أن الفريق يخسر الدوري في كل مرة !
***
في نهاية فيلم (زي النهاردة) تدرك البطلة أنه بتكرار الأحداث سوف يموت خطيبها الثاني في نفس تاريخ وفاة الأول ، لكن محاولتها لمنعه تنتهي بأن تتلقى الرصاصة بدلا منه وتموت هي..وهي ﺇشارة مخيفة للغاية !

١٢‏/١١‏/٢٠٠٨

اشارة على الطريق

يوم جديد
واﻵن أجري وراء العمر منتظرا
ما لا يجيء.. كأن العمر ما كانا !
شعر..فاروق جويدة
قصيدة وديوان..كأن العمر ما كانا

1- توقف ونظرة للوراء..
ها هو يعاود الاتصال مرة أخرى .. لن أرد ، وبعد أن تنتهي المكالمة سأغلق الهاتف نهائيا . لا فلأرد عليه حتى لا يساورهم القلق عليّ ، فلقد تركتهم فجأة ولم أخبرهم بشيء ..يسكت الهاتف . سأحدثه أنا لاحقا ، وأقول له ﺇنني عدت لأمر عاجل أو أن والدتي طلبت مني الحضور . لا سأقول له صراحة ﺇنني شعرت بالضيق وأطلب منه أن يتركني على راحتي ، وسوف يتفهم الموقف .. صحيح أنني من طلبت منهم أن نذهب سوية للمصيف وألححت عليهم بالمجيء رغم مشاغلهم لكنني لا أستطيع أن أستمر ..فالملل الذي ذهبت خصيصا من أجل التخلص منه يكاد يقتلني ..الأيام تشبه بعضها تماما منذ أن تركت العمل بالمصنع ، ولكنها كانت متشابهة أيضا وأنا أعمل به ! تعاودني الحيرة كلما فكرت في الموضوع ، فهل كان الأفضل أن أستمر بدل أن أبقى عاطلا ؟ أم أنني أصبت بترك وظيفة لا علاقة لها بما عكفت على دراسته أربع سنوات بالجامعة ثم سنتين في تحضير الماجستير ؟ لكن أين أجد عملا في مجال تخصصي العلمي وهذه الأبحاث غير متوافرة بالبلاد ولا تلقى اهتمام أحد ؟ فـﺈما أن أسافر للخارج أو أنسى كل ما تعلمته أو أنتظر معجزة تحدث للبلد بأكمله ، لكنني لا أستطيع السفر بسبب والدتي ، فلا يمكن أن أتركها وحدها أو أن آخذها معي – في هذا العمر- ﺇلى بلد مجهول أواجه ظروفا مجهولة . لا ليس هذا السبب الوحيد ، فهناك حاجز بيني وبين السفر.. أشعر أنني لو سافرت ونجحت فلن أكون أنا من نجح ، وﺇنما شخص آخر غريب عني وسأحاول حينها البحث عن نفسي فلا أجدها ، ﺇذا كنت أضل عن نفسي وأنا على الأرض التي نشأت عليها وبين الناس الذين أعرفهم ويعرفونني فهل سأجدها مع الغرباء ؟..لا أعرف تحديدا متى وصلت الى كل هذا القنوط ، فقد كنت أيام الدراسة سعيدا أو لم أكن أفكر في كل هذا ..أبدو كمن يسير بطريق وأوغل فيه ثم نسي ﺇلى أين كان ذاهبا في الأصل ، بل وأين كانت البداية ؟
اندهشت أمي لعودتي المفاجئة وتركي لأصدقائي . طمأنتها بأنني على ما يرام ولم يحدث مكروه ، فقط أصابني الملل فقررت العودة ، ولا أظنها اقتنعت لكنها قالت ضاحكة ﺇنني كنت أشعر بها ، فقد كانت تخطط لشراء أشياء كثيرة ولا تعرف كيف تذهب من دوني ..قلت :
لا مشكلة ..وقتي كله فارغ .

***
لا جدوى . يبدو أنني لن أقدر أن أنام بضع سويعات بعد الظهر ، فها هي ساعة تمر وأنا أتقلب على الفراش والنوم لا يزال بعيدا ، طوال حياتي لم أتعود على أن أنام في النهار ، ولكن ماذا أفضل من النوم يمكن أن يختصر الوقت ويريحني من اجترار أفكاري ؟
مازلت أعجب كيف لـ (صادق) أن يتركني وحيدة ويموت ؟ وهو الذي لم يكن – خلال سبعة وثلاثين عاما من زواجنا- يتخذ قرارا دون مشورتي أو يذهب ﺇلى مكان دون أن يخبرني مسبقا بوجهته ، ثم يأتي ﺇلى أهم وأخطر القرارات فيفاجئني به هكذا ! يرحل في الوقت الذي لم يعد لي فيه سواه ، حتى عيادتي أغلقتها منذ سنة بعد أن فقدت القدرة على العمل .. ما من أحد أراه اﻵن سوى وجهي المتعب في المرآة ولا أحدث سوى نفسي..نفسي أيضا لم تضن عليّ بالكلام وصارت تحيطني بشلال من الأفكار التي لا تنتهي ، وأجد كل السنوات التي عشتها كأنها لحظات من حلم خاطف ..مجرد لقطات تأتي ﺇلى ذاكرتي وتمر مسرعة دون أن أتحقق منها ..دون أن أعرف ﺇلى أين سيوصلني هذا الطريق الطويل . هذا العمر كله مع زوج مخلص ينتهي في لحظة ..نصف ساعة فقط ما بين شعوره بالألم في صدره وبين ﺇغلاق عينيه الى الأبد . كيف يمكن أن تكون حقيقية تلك الحياة الحافلة مادامت تنتهي بهذه البساطة ؟
قضيت أيامي كلها أتابع النساء الحوامل ، أشاهد الأجنة في شاشة الأشعة ، وأتابع مراحل نموهم حتى أخرجهم من أرحام أمهاتهم وأسمع صرخاتهم الأولى ، لكن رحمي أبى أن يحمل جنينا، ولم يستطع الطب الذي تعلمته وأفنيت نفسي فيه أن يساعدني ، حتى أقعدني ضعف المشيب فأغلقت عيادتي وتوقفت عن العمل . بالأمس مررت عليها ونظرت لها من بعيد .. كل شيء في الشارع والبناية طبيعي تماما ، ولا يبدو أن أحدا تأثر بـﺈغلاقها ..أو كأنها لم تكن مفتوحة من قبل ..
ﺇذن فلأنم وقتا أطول ، أو أقرأ ، أو أشاهد التلفاز وأجد العالم كله يتحرك أمامي على الشاشة ، حتى لو كنت أنا أكتفي بمشاهدته من الخارج ، وحتى لو كانت هذه الدراما التي أتابعها ليست سوى وهم يصنعه ممثلون أمام العدسات ويتقاضون عليه أموالا ..الغريب أنه حتى هذا العالم ينتهي كله بضغطة زر !

***
2- سير بغير هدى..

كانت أمي تتحدث ﺇليّ كثيرا بينما كنت أغلب الوقت شاردا ، أكتفي بين حين وآخر بأن أرد باقتضاب أو أهز رأسي ثم أعاود النظر ﺇلى الطريق أمامي . تنقلنا بين أكثر من مكان حيث اشترت نظارة أخرى خلاف نظارتها التي كسرت ، وبعض أغراض للبيت ، ولوحة زيتية من تلك اللوحات التي لا أعرف لماذا تحب اقتناءها ، وكدنا – بعد أن لم يعد بالسيارة مكان لشيء جديد – أن نعود للبيت ، لولا أن قلت لها ﺇننا تعبنا كثيرا من التسوق ولا يصح أن ترهق نفسها في الطبخ بعد ذلك ، وتوقفت بالسيارة أمام أحد المطاعم .
مرت الدقائق بطيئة ونحن في انتظار الطعام ، واصلت فيها شرودي مع دوائر الأفكار المفرغة حتى انتبهت على صوت أمي تقول :
حسام ..هل تعرف هذه المرأة ؟

***
أصبحت أخرج كثيرا ، أخترع أسبابا لأغادر البيت ، مرة لزيارة ﺇحدى صديقاتي ، أو لزيارة أخي وقضاء بعض الوقت مع أبنائه، ومرات للتسوق وشراء لوازمي ، وﺇن لم تعد كثيرة بعدما صرت أعيش بمفردي . قررت اليوم أن أسير ﺇلى مطعم قريب أتناول فيه الغداء ، مع أنني لا أحب أكل المطاعم لكنني في حاجة ﺇلى التغيير ..لم يكن الطعام ممتازا لكن لا بأس به والمكان جديد ذو ألوان مبهجة وبه رواد كثر ، كان حديثهم يصنع جلبة ويعطي المكان روحا . لم أجد بنفسي قوة على السير بعد أن خرجت فوقفت أنتظر سيارة أجرة تقلني ﺇلى البيت حتى وجدت شابا يتقدم مني ويلقي عليّ التحية ، اندهشت أنه يعرفني .

***

3-أضواء في الأفق..

كانت تشير ﺇلى امرأة مسنة تكاد تغادر المطعم .
قلت : لا أعرفها .
قالت وهي تبتسم ابتسامة واسعة وعيناها مليئتان بالدهشة :
ﺇنها د.سامية القاضي ..الطبيبة التي أشرفت على ولادتي ﺇياك.
بدا أنها تعود ﺇلى سنوات مضت . نظرت لها ذاهلا للحظة بعدها وقفت وتحركت بسرعة في اتجاه المرأة ..لكنني توقفت ..ترى ماذا عساي أن أقول لها ؟ لا أعرف..لكنها فرصة ينبغي ألا أضيعها ، حدث مدهش لا يشبه غيره ..ربما خيط بداية أيضا ! فقد كانت شاهدة على أول لحظة لي في هذه الحياة ..كانت قد خرجت في لحظات ترددي فخرجت لأجدها واقفة . شعرها الأشيب ورداؤها الهادئ الأنيق منحاني بعضا من الارتياح لها وتشجعت على الاقتراب :
-مساء الخير.
*مساء النور.
-د.سامية ..أليس كذلك ؟
قالت بدهشة : بلى .
قلت مبتسما:
-أنت لا تعرفينني لكنك أثرت كثيرا في حياتي ، فقد ولدت وجئت ﺇلى الدنيا على يديك .
تغيرت نظرتها .. بدت مستغربة أو شاردة ..قالت بعد لحظة :
*ما اسمك يا بني ؟
- حسام..حسام رأفت .
لم أدر ماذا أقول ..هممت أن أسألها عن لحظة البداية ..لكن كيف أقول هذا ؟ قلت بتلعثم :
-هل كان مجيئي متعسرا ؟ أقصد.. كيف كانت اللحظة الأولى ؟
لم تجب ..لا أظنها فهمت ..ربما أنا نفسي لا أفهم ..أضفت :
-أنا سعيد جدا برؤيتك ، وأحب أن ..أن أشكرك .
مدت يدها تصافحني وشدت على يدي وتركتها وقد أشرق وجهها بابتسامة ..ابتسامة طيبة آسرة ..تشبه ابتسامة أمي كثيرا ..
كلما تذكرت أن حديثي معها كان سببا في هذه الابتسامة العذبة ، أو رأيتها على وجه أمي..ابتهجت.

***
لم يكن وجهه مألوفا لي ..قال:
-لقد أثرت كثيرا في حياتي..فخروجي ﺇلى الدنيا جاء على يديك .
هل يمكن هذا ؟ الشاب يبدو في منتصف العشرينات ، وأنا أعمل منذ ما يقرب من أربعين عاما ..لم لا ؟ تأملته ..شاب قوي ومهذب ..لا بد أنه قادر على صنع طريقه في الحياة ، ولا بد أن أمه التي تعبت في ولادته تفخر به اﻵن ..يقول ﺇنه جاء على يديّ..يديّ اللتين أصابتهما الرعشة وتجعد جلدهما ..معقول ؟اسمه حسام .. قال لي شيئا لم أنتبه ﺇليه ثم صافحني ..كان ممتنا..ثم ودعته وتابعته عيناي يدخل ﺇلى المطعم .
كلما أفكر كم واحدا جاءت به هاتان اليدان المرتعشتان..أطمئن.