يوم جديد
انتظرنا أن يمر الشعراء
ربما يمنحنا دفء الغناء
ربما ليلة حب واحده..
وتنصتنا لوقع الخطو..غربلنا الهواء
لم يكن الا سكون الصحراء
وطنين الأفئده !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الضحك في دقيقة الحداد
ديوان..تعليق على ما حدث
من بين الأخبار المزعجة ، والمتابعات لوباء انفلونزا الخنازير ، وبين التهاني والمقالات الاحتفالية بعيد ميلاد الرئيس الحادي والثمانين – وجدت في الجريدة خبرا يستحق القراءة ، هو مبادرة أهالي دمياط بتأثيث 140غرفة تصلح للمنازل والعيادات الطبية ، من أجل ﺇرسالها الى ﺇخوانهم في غزة .
أهالي دمياط وعمالها لم يكتفوا بالحزن أمام ما رأوه من حال الفلسطينيين ، وقرروا أن يعملوا ، ويساعدوا أشقاءهم بأيديهم ، وصنعوا هذه الغرف لتكون (بداية) لمساهمتهم في ﺇعمار غزة . فالشعب الفلسطيني لا يزال يبني ، تدك بيوته وتقصف أراضيه ، ثم يعاود بناءها من جديد في ﺇصرار نادر جعله باقيا وصامدا كل هذه السنوات رغم ما يحدث له ، وﺇيمان بقوة العمران في مواجهة الخراب ، وقوة الرغبة في الحياة في مواجهة الموت . هم يعملون ، و ﺇخوانهم يساعدونهم بما أوتوا ، دون التفات لمشاحنات الفصائل ، وصراعات السلطة ، والحرب اﻹعلامية التي تتجه بوصلتها نحو هذا الفصيل أو ذاك ، أو هذه الدولة أو تلك . تركوا كل هذا العبث لكن العبث أبى أن يتركهم ، فحتى اﻵن لم يستطيعوا أن يبعثوا بما صنعوه ﺇلى غزة ، لأنه كما قال محافظ شمال سيناء لا توجد تعليمات تسمح بمرور الأثاث ، ولا أعرف ممن تنتظر التعليمات ، وهل ما يعطلها هي البيروقراطية وحدها ، أم أنه الجانب اﻹسرائيلي الذي يرفض ولا تقدر الدولة أن تمارس عليه ضغطا لتحقق ﺇرادة شعبها في شيء بسيط كهذا ، ويخشى صانعو الأثاث أن يتلف جراء تركه في المخازن ، ولايزالون في الانتظار ، ونحن لا نجد ﺇلا أن نترقب ما سوف تسفر عنه أزمنة الانتظار .
١٦/٥/٢٠٠٩
٢٦/٣/٢٠٠٩
عن الأمل
يوم جديد
يا خالق الكون بالحساب والجبر
وخالقني ماشي بالاختيار والجبر
كل اللي حيلتي زمزمية أمل
وازاي تكفيني لباب القبر ؟!
عجبي !
من رباعيات صلاح جاهين
11 صباحا
صوت المذيعة يصل اليّ عبر مذياع السيارة ،وهي تسأل المتصلة ان كانت ستكمل المسابقة أو تنسحب ، قررت المتسابقة أن تكتفي بالنقود التي حصلت عليها في دقائق معدودة ، مجرد صدفة جعلتها تفوز في السحب ، ويجري بها الاتصال ، لتستمع الى أسئلة تافهة تنوب المذيعة عنها –تقريبا-في الاجابة عليها . أغلب من يبعثون برسائل المحمول ويجرون الاتصالات بغية أن يحالفهم الحظ يدركون أن كثيرين غيرهم يحاولون ، وأن شركة الاتصالات والبرنامج هما الرابحان الأساسيان من الأمر كله ، لكن كلا منهم لديه من الأمل ما يقول له انه قد يفوز كما فاز غيره ، ولا ضرر من المحاولة ودفع نقود زهيدة مقابل مكسب ضخم (لو تحقق) . أتذكرعبارة جميلة قالتها شخصية في فيلم (المليونير المتشرد) حين سألها البطل عن سر مشاهدة الجميع لبرنامج المسابقات الشهير (من سيربح المليون؟) ..قالت انه فرصة للهرب . يضعك في حياة جديدة . شيء لا يختلف كثيرا عن أوراق (اليانصيب) أو حتى المقامرة ، وسيبقى مابقي هناك أمل في الفوز.
***
12 ظهرا
في موعدي تماما أصل الى ساحة انتظار السيارات ، لكن صفا من السيارات يتوقف منتظرا أمام مدخلها الذي أقرأ عليه لافتة :كامل العدد . حسنا سأصفها في الساحة الأخرى . وصلت فلم أجد بها أي مكان خال . اندهشت لهذا الزحام في يوم السبت والكثير من الأماكن في اجازة . لأكثر من ثلث ساعة كنت أدور حول الكلية وأدخل شوارع جانبية ضيقة وأخرج منها دون أن أجد بضعة أمتار خالية . لا يمكن أن أحصي كم مرة زفرت وضربت عجلة القيادة غضبا والوقت يمر وأنا أتأخر دون أظفر بحقي الطبيعي كانسان أنهى طريقه في أن (أغلق السيارة وأمضي) . تركتها صفا ثانيا لاعنا كل القوانين وأسرعت الى المحاضرة وليكن ما يكون . فكرت كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يحتملوا هذا الزحام الخانق ويتعايشوا معه ، كيف يحتملون أن يصلوا الى مقاصدهم بعد أضعاف من الوقت المفترض لقطع المسافة . لماذا لا يقوم سكان القاهرة كلهم باضراب ؟ الواقفون معذبين في انتظار مواصلات يتكدسون داخلها ، وقائدو السيارات المحبوسون داخلها في طرق لا تتحرك . هو الأمل ربما . الأمل في أن يجد المرء فرجة ينفذ منها وسط الزحام ويكمل طريقه . الأمل في الخلاص الفردي وحسب .
***
3عصرا
في طريق العودة . واحدة من بين السيارات التي تتحرك ببطء السلحفاة كانت سيارتي بالقرب من الاستاد . عبر من أمامي طفل صغير جميل في يده علم ناديه ويده الأخرى في يد والده .تابعته عيني الى الجهة الأخرى ماشيا نحو الاستاد . كبقية جماهير ناديه لم يفقدوا الأمل في خروج ناديهم من دوامة الأزمات والمعارك ، والخسائر المتلاحقة لسنوات . لولا هذا الأمل لانهار كل شيء . فكرت أنني كان يجب أن ألتقط صورة للطفل ، لكنني لا أملك ترفا كهذا وأنا أقود في ذلك الزحام . كم يحرمنا الزحام من الأشياء الجميلة !
بالتأكيد كان الطفل سعيدا عندما فاز فريقه في المساء وقدم مباراة ممتعة ، وأحرز أهدافا غزيرة لم يحققها منذ فترة ، معتمدا على لاعبين شبان يقول الخبراء انهم يمثلون الأمل في مستقبل أفضل للفريق . مادام هناك مستقبل فيجب أن يكون هناك أمل .
يا خالق الكون بالحساب والجبر
وخالقني ماشي بالاختيار والجبر
كل اللي حيلتي زمزمية أمل
وازاي تكفيني لباب القبر ؟!
عجبي !
من رباعيات صلاح جاهين
11 صباحا
صوت المذيعة يصل اليّ عبر مذياع السيارة ،وهي تسأل المتصلة ان كانت ستكمل المسابقة أو تنسحب ، قررت المتسابقة أن تكتفي بالنقود التي حصلت عليها في دقائق معدودة ، مجرد صدفة جعلتها تفوز في السحب ، ويجري بها الاتصال ، لتستمع الى أسئلة تافهة تنوب المذيعة عنها –تقريبا-في الاجابة عليها . أغلب من يبعثون برسائل المحمول ويجرون الاتصالات بغية أن يحالفهم الحظ يدركون أن كثيرين غيرهم يحاولون ، وأن شركة الاتصالات والبرنامج هما الرابحان الأساسيان من الأمر كله ، لكن كلا منهم لديه من الأمل ما يقول له انه قد يفوز كما فاز غيره ، ولا ضرر من المحاولة ودفع نقود زهيدة مقابل مكسب ضخم (لو تحقق) . أتذكرعبارة جميلة قالتها شخصية في فيلم (المليونير المتشرد) حين سألها البطل عن سر مشاهدة الجميع لبرنامج المسابقات الشهير (من سيربح المليون؟) ..قالت انه فرصة للهرب . يضعك في حياة جديدة . شيء لا يختلف كثيرا عن أوراق (اليانصيب) أو حتى المقامرة ، وسيبقى مابقي هناك أمل في الفوز.
***
12 ظهرا
في موعدي تماما أصل الى ساحة انتظار السيارات ، لكن صفا من السيارات يتوقف منتظرا أمام مدخلها الذي أقرأ عليه لافتة :كامل العدد . حسنا سأصفها في الساحة الأخرى . وصلت فلم أجد بها أي مكان خال . اندهشت لهذا الزحام في يوم السبت والكثير من الأماكن في اجازة . لأكثر من ثلث ساعة كنت أدور حول الكلية وأدخل شوارع جانبية ضيقة وأخرج منها دون أن أجد بضعة أمتار خالية . لا يمكن أن أحصي كم مرة زفرت وضربت عجلة القيادة غضبا والوقت يمر وأنا أتأخر دون أظفر بحقي الطبيعي كانسان أنهى طريقه في أن (أغلق السيارة وأمضي) . تركتها صفا ثانيا لاعنا كل القوانين وأسرعت الى المحاضرة وليكن ما يكون . فكرت كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يحتملوا هذا الزحام الخانق ويتعايشوا معه ، كيف يحتملون أن يصلوا الى مقاصدهم بعد أضعاف من الوقت المفترض لقطع المسافة . لماذا لا يقوم سكان القاهرة كلهم باضراب ؟ الواقفون معذبين في انتظار مواصلات يتكدسون داخلها ، وقائدو السيارات المحبوسون داخلها في طرق لا تتحرك . هو الأمل ربما . الأمل في أن يجد المرء فرجة ينفذ منها وسط الزحام ويكمل طريقه . الأمل في الخلاص الفردي وحسب .
***
3عصرا
في طريق العودة . واحدة من بين السيارات التي تتحرك ببطء السلحفاة كانت سيارتي بالقرب من الاستاد . عبر من أمامي طفل صغير جميل في يده علم ناديه ويده الأخرى في يد والده .تابعته عيني الى الجهة الأخرى ماشيا نحو الاستاد . كبقية جماهير ناديه لم يفقدوا الأمل في خروج ناديهم من دوامة الأزمات والمعارك ، والخسائر المتلاحقة لسنوات . لولا هذا الأمل لانهار كل شيء . فكرت أنني كان يجب أن ألتقط صورة للطفل ، لكنني لا أملك ترفا كهذا وأنا أقود في ذلك الزحام . كم يحرمنا الزحام من الأشياء الجميلة !
بالتأكيد كان الطفل سعيدا عندما فاز فريقه في المساء وقدم مباراة ممتعة ، وأحرز أهدافا غزيرة لم يحققها منذ فترة ، معتمدا على لاعبين شبان يقول الخبراء انهم يمثلون الأمل في مستقبل أفضل للفريق . مادام هناك مستقبل فيجب أن يكون هناك أمل .
١٩/٢/٢٠٠٩
لماذا يتعبون ؟

يوم جديد
الأرض تنكر كل فرع عاجز
تلقيه في صمت..تكفنه الرياح
بلا دموع أو أنين
الأرض تكره كل قلب جاحد
وتحب عشاق الحياة
وكل عزم لا يلين
شعر..فاروق جويدة
قصيدة..اغضب ولا تسمع أحد
ديوان..كأن العمر ما كانا
مع كل مباراة أشاهدها لفريق (ميلان) الايطالي أتوقف باعجاب عند لاعبين : باولو مالديني وديفيد بيكام..
باولو مالديني..
باولو مالديني عمره اﻵن 40عاما و8 اشهر ، ومع ذلك فهو يلعب بصفة أساسية مع ناديه في الدوري الايطالي القوي والعنيف بدنيا بجانب البطولات الأوروبية . كيف يستطيع هذا اللاعب أن يؤدي بهذا المستوى وأن يلعب طوال الدقائق التسعين وأن يركض ويقفز وينزلق وهو في هذه السن التي نادرا ما يصل اليها لاعب كرة في الملاعب ؟ ربما لأنه نموذج للاعب الملتزم داخل الملعب وخارجه ، وللانسان الذي يحافظ على صحته وعلى الموهبة التي يملكها ، ويجتهد في تدريباته وفي الحفاظ على لياقته . لكن السؤال الأهم : لماذا ؟ لماذا يبذل كل هذا الجهد ؟ باولو الذي كان والده تشيزاري مالديني لاعبا مرموقا بالميلان ثم مدربا لم يعتمد على ذلك في الوصول ، لكن اعتمد على جهده وموهبته التي جعلته واحدا من أهم لاعبي العالم ، لماذا يلعب الى اﻵن ؟
المال؟ لا ينقصه. الشهرة ؟ لن تفارقه حتى يوارى التراب . الأرقام القياسية ؟ لديه منها ما يحتاج الى سنوات وسنوات كي يحطمه غيره (اكثر اللاعبين مشاركة في تاريخ الدوري الايطالي ، وأكثر لاعبي ايطاليا في المشاركات الدولية ،وأكثر لاعبي العالم وصولا لنهائي دوري الأبطال الأوربي ، وقميصه ذو الرقم 3 سوف يحجب بعد اعتزاله تخليدا له ، ولن يمنح الا لأحد أبنائه في حال احترف الكرة ) . موقعه مضمون في الجهاز الفني لناديه أو في أي مكان يحبه . لكنه يعمل لأنه يحب ناديه ويريد أن يساعده على الفوز ، ويدرك قيمته كقائد ورمز لناديه ، ولكي يسعد جماهيره ، ولأنه يدرك أن الاجتهاد في العمل هو في حد ذاته قيمة .
ديفيد بيكام
لاعب هو الأشهر في العالم ، تحدثت الدنيا كلها عن انتقاله التاريخي الى لوس أنجلوس جالاكسي الأمريكي ، والمبلغ الخرافي الذي يتقاضاه ، يلعب في دوري ضعيف بالنسبة لمستواه ..باختصار ليس في حاجة لأن يبذل أي جهد ، يكفيه أن يتنزه مع صديقه توم كروز ، ويحضر الحفلات مع زوجته المغنية فكتوريا ، وينفق أمواله الطائلة كيفما شاء ، ويتطلع الى الوراء لتاريخه الطويل مع مانشستر يونايتد وريال مدريد والمنتخب الانجليزي . لكنه لم يفعل شيئا من ذلك ، وقرر أن يستغل فترة الراحة بين الموسمين في الدوري الأمريكي ، وذهب معارا الى فريق ميلان ، ليبدأ في سن تقارب 34سنة رحلة في الدوري الايطالي الرهيب الذي لم يسبق له اللعب فيه ، ثم يبذل جهدا كبيرا في التدريبات لاقناع مدربه باشراكه أساسيا ، ويبذل قصارى جهده في المباريات ، يؤدي دوره في الجناح الأيمن ويساند في الوسط ويعود للدفاع ، ويحرز هدفين حتى اﻵن ، حتى أقنع المدير الفني للمنتخب الانجليزي باعادة استدعائه للمنتخب . لماذا ؟لأنه نجم حقيقي ، يعرف قيمة العمل وقيمة الاسم الذي صنعه ، ويحب اللعبة ويبذل كل ما لديه ليبدع فيها ، ويحترم جمهوره ومتابعيه ويحرص أن يكون قدوة جيدة لمن يشاهده .
هل عندنا – في الكرة أو في غيرها – من يعرف شيئا اسمه قيمة العمل ؟
٢/٢/٢٠٠٩
على الأرض..أم فوق السحاب ؟
يوم جديد
وأود أن أحيا بفكرة شاعر
فأرى الوجود يضيق عن أحلامي
شعر..أبي القاسم الشابي
قصيدة..قيود الأحلام
يقول ﺇبراهيم ناجي :
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة
ويقول نزار قباني :
وأشعر أني أؤسس شيئا
وأشعر حين أحبك أني
أغير عصري
ويبدو في هذا الكلمات الفارق بين المنهج الذي يتبعه كلا الشاعرين في أشعار الحب التي أبدعها كل منهما ، ناجي في النصف الأول من القرن الفائت ، ونزار في نصفه الثاني .
يتحدث ناجي عن حبيبة هي أقرب الى التقديس ، وصفها مثالي تماما خال من أي نقص بشري ..يحدثها وهو ينظر الى أعلى ..الى السماء..
أنت يا معجزة الحسن ملك
كل لفظ منك شعر قدسيّ
ويقول :
قدماك ما انتقلا على درجِ
حاشاك بل خطرا على ثبجِ
كسفينة خفت على اللججِ
نشوى بما حملت من الفرجِ
تأمل هذا الوصف في قصيدة (الخريف)
أي سر فيك اني لست أدري
كل ما فيك من الأسرار يغري
خطر ينساب من مفتر ثغر
فتنة تعصف من لفتة نحر
قدر ينسج من خصلة شعر
زورق يسبح في موجة عطر
في عباب غامض التيار يجري
واصلا ما بين عينيك وعمري
لا يصف ناجي ما تراه عيناه ، أو لا يعطي المادة المحسوسة اعتبارا قدر ما يعطي خياله وروحه التي تنشد الجمال المطلق ..
مكان اللقاء عند ناجي هو دائما الطبيعة ..الخمائل والشجر والماء الرقراق
لك في خيالي روضة فينانة ﹼ
غنّى على أغصانها شاديها
ويقول في (الأطلال )
يا حبيبا زرت يوما أيكهﹸ
طائر الشوق أغني ألمي
تأمله وهو يتحدث عن طريق ليس فيه ﺇلا هو ومن يحب :
ومشينا في طريق مقمرﹴ
تثب الفرحة فيه قبلنا
وتطلعنا ﺇلى أنجمه
فتهاوين وأصبحن لنا
وضحكنا ضحك طفلين معـﴼ
وعدونا فسبقنا ظلنا !
وفي جنح الليل الساكن الوديع ..
يا لها من حقبة كانت على
قصر فيها كـﺂماد فساحﹾ
نتمنى كلما امتدت بنا
أن يظل الليل مجهول الصباحﹾ !
ويقول في (الوداع) :
يقظة طاحت بأحلام الكرى
وتولى الليل والليل صديقﹾ
هذه الصورة السامية للحبيبة ، يقابلها شعور باستحالة امتلاكها ، فالبشري الضعيف لا يمكنه أن يصل ﺇلى الملك النوراني البعيد ، تأمل قوله في قصيدة (الغد) :
يا جنان الخلد قدمت اعتذاري
ﺇذ يطوف الخلد سقمي ودماري
أيها اﻵمر في ملك الهوى
اعف عن لهفة روحي وأواري
أشتهي ضمك حتى أشتفي
فكأني ظامئ آخذ ثاري
غير أني كلما امتدت يدي
لعناق ..خفت أن تؤذيك ناري !
ولذلك فاللقاء بينهما لقاء خاطف كالحلم ..لا يلبث أن ينتهي ويخلف الشاعر لى هجر طويل ومعاناة طويلة ..
حلم كما لمع الشهاب توارى
سدلت عليه يد الزمان ستارا
وحبيس شجو في دمي أطلقته
متدفقا ودعوته أشعارا
ويقول في (الخريف) :
أخيالا كان هذا كله ؟
ذلك الجسر الذي كنا عليه
والمصابيح التي في جانبيه
ذلك النيل وما في شاطئيه
وشعاع طوفت في مائه
وظلال رسبت في ضفتيه
وحبيب وادع في ساعدي
ووعود نلتها من شفتيه !
مثالي في حبه تماما ، لا يتحول عن الاخلاص مهما يكن ، وكثيرا ما يعتبر هذا الأخلاص قيدا لا يمكنه الفرار منه :
لا أنت نائية ولا أنا نائي
ﺇني لديك مقيد بوفائي
.......................
لم أقيدك بشيء في الهوى
أنت من حبي ومن وجدي طليقﹾ
الهوى الخالص قيد وحده
رب حر وهو في قيد وثيقﹾ
بل هو يتمنى العودة ﺇليه لو ابتعد
كم تقلبت على خنجره
لا الهوى مال ولا الجفن غفا
وﺇذا القلب على غفرانه
كلما غاربه النصل ..عفا
حتى بعد الفراق لا تجده الا فيما ندر يثور أو يسخط ، بل يحمل الحب والامتنان ..يتضح ذلك في بيته بقصيدة (شفاعة)
لا تنكرن الشمس عند غروبها
أوما نعمت بدفئها وظلالها ؟
هو ﺇذن يخلق عالما مثاليا تماما..حبيبة ملائكية ، ومحب مخلص لا يتحول عن الاخلاص ، ولقاء في أحضان الطبيعة الخلابة..ولذا تجد شعره صافيا موسيقاه رائقة وجمله سلسة يزينها حسن التقسيم وأبحره رقيقة كالرمل والرجز ، هذه النظرة ، وهذا السمو فوق الواقع العادي بتفاصيله ومتاعبه وكل صور القبح التي لا يخلو منها يجعل الحب في شعر ناجي تحليقا روحيا لا تطاله رغبات الجسد
وتلاشت واختفت أجسادنا
واعتنقنا في الدجى روحا بروح
بل يمنحه سموا فوق البشرية نفسها ..تأمل هذا البيت الرائع من الأطلال الذي لم تغنه (أم كلثوم)
ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مسنا !
فوق عالم البشر بأكمله..
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة !
*****
عند الحديث عن نزار قباني فالوضع يختلف ، فنحن أمام شاعر بدأ منذ ديوانه الأول بلغة مختلفة عن السائد ، وأدهش الكل بمفردات مستقاة من الحياة اليومية وبقصائد بعناوين (تليفون) و(أثواب) ، هو دائما يصف ما تراه العين ، يصف شيئا حقيقيا لكنه يغلفه باحساسه الخاص وخياله ..
شال الكشمير على كتفيك ..
يرق حديقة ريحان ِ
يدك الممدودة فوق يدي
أعظم من كل التيجان ِ
ويقول :
ﺇذا جئتني ذات يوم بثوب ﹴ
كعشب البحيرات أخضر أخضرﹾ
وشعرك ملقى على كتفيك
كبحر..كأبعاد ليل مبعثر ﹾ
نزار يعيش عالما واقعيا ، فهو يتحدث ﺇلى حبيبته عبر الهاتف ويجلس معها بالمقهى ويقرأ معها الشعر . تأمل حديثه المتكرر عن المقهى ..
دخلت اليوم للمقهى
وقد قررت أن أنسى علاقتنا
وأدفن كل أحزاني
وحين طلبت فنجانا من القهوه
خرجت كوردة بيضاء
من أعماق فنجاني
..............................
أجلس في المقهى منتظرﴽ
أن تأتي سيدتي الحلوه
أبتاع الصحف اليوميه
أفعل أشياء طفوليه
يقول في (بعد العاصفة) :
اني أحبك كيف يمكنني
أن أشعل التاريخ نيرانا
وبه معابدنا..جرائدنا
أقداح قهوتنا..زوايانا
وفي (ماذا أقول له ؟)
رباه أشياؤه الصغرى تعذبني
فكيف أنجو من الأشياء رباهﹸ
هنا جريدته في الركن مهملة
هنا كتاب معا كنا قرأناهﹸ
على المقاعد بعض من سجائره
وفي الزوايا بقايا من بقاياهﹸ
وفي الوقت الذي يبدو فيه ناجي ضعيفا أمام حبيبة مقدسة ، فنزار يجعل نفسه قويا معتزا بنفسه وبشعره ..فهو يقول متحديا من ينافسه في العشق :
أتحداهم جميعا
أن يخطوا لك مكتوب هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوك على كثرتهم
بحروف كحروفي
وكلام ككلامي
ويقول:
كتبت بالضوء عن عينيك هل أحد
سواي بالضوء عن عينيك قد كتبا ؟
وكنت مجهولة حتى أتيت أنا
أرمي على صدرك الأفلاك والشهبا
بل يزيد أن يفخر بحبيبته أيضا ، ويرفعها – معه – الى السماء :
يا التي من وجهها
تسقط أقمار الذهب
يا التي من صوتها
يبدأ تاريخ الأدب
يا التي تمشي
ويمشي خلفها حقل سنابل
وفي قصيدة (وقبلك كل النساء افتراض )
وقبلك ما كان للبحر اسم
ولا كان للورد اسم
ولا كان للشمس اسم
ولا كان مرعى
ولا كان عشبﹸ
وقبلك كل النساء افتراض
وكل القصائد كذب ﹸ
وتمثل الطبيعة جزءا مهما من شعر نزار قباني ،لكنها ليست الطبيعة الحالمة التي يرسمها ناجي من خياله ويهرب اليها من واقع الحياة ، بل هو يصف الطبيعة التي تراها عيناه ، في دمشق ، وفي بيروت ، وفيﺇسبانيا ، وأينما ذهب ، يحكي عن الشجرة الضاربة جذورها في بيته القديم بدمشق ، وعن البحر الذي يجلس أمامه في بيروت . يقول في (حبك طير أخضر):
حبك ينمو وحده
كما الحقول تزهرﹸ
كما على أبوابنا
ينمو الشقيق الأحمرﹸ
كما على السفوح
ينمو اللوز والصنوبرﹸ
كما بقلب الخوخ
يجري السكرﹸ
وفي (مع بيروتية)
بيروت تغيب بأكملها
رملا..وسماء..وبيوتا
تحت الجفنين المنسبلينﹾ
يصف نزار قباني ساعة الفراق بشكل غارق في واقعيته في قصيدة (ألا تجلسين قليلا ؟)
ألا تجلسين قليلا ؟
ألا تجلسين ؟
فان القضية أكبر منك
وأكبر مني
كما تعلمين
....................
ألا تجلسين لخمس دقائق أخرى
ففي القلب شيء كثير
وحزن كثير
وليس من السهل قتل العواطف في لحظات ﹾ
والقاء حبك في سلة المهملاتﹾ
فان تراثا من الحب والشعر والحزن
والخبز والملح والتبغ والذكرياتﹾ
يحاصرنا من جميع الجهاتﹾ
هذا التركيز على تفاصيل الواقع لا يجعله يسقط في الركاكة أو الابتذال ، ولكنه يأخذ المحسوسات ليمنحها من شاعريته ما يرتقي بها الى عالم الخيال والحلم ، فنجان القهوة لا يتوقف على كونه عادة يومية لكنه قد يقرأ ويبين المستقبل الخفي أو يبين أعماق النفس ، كما في (قارئة الفنجان) ، وكما يقول في (مع بيروتية):
المطعم أصبح مهجورا.
وأنا أتأمل فنجاني
ماذا سيكون بفنجاني
غير الأمطار ..وغير الريح
وغير طيور الأحزان ِ
ويتحدث عن حيرة التفكير في هدية عيد الميلاد ليرتفع بقيمة الشعر ..
في عيد ميلادك العشرين يا قمري
فكرت..فكرت في ما سوف أهديهِ
كل الخيارات تبدو لي محددة
يا من لعينيك كل العمر أعطيه
فكيف يفرح ﺇنسان حبيبته
ويكشف القلب عن أحلى أمانيه
الورد ؟ أصبح تقليدا اضيق به
والعطر ؟ لا امرأة الا وتقنيه
لذا سأرسل يوم العيد سيدتي
كتاب شعر فأرجو أن تحبيه
ومع نهاية العلاقة فقد يتحول الى الهجوم أو الثورة ، وتتحول رقته الى عنف بالغ :
أبعدي الوجه الذي أكرهه
أنت عندي في عداد الميتين
وفي قصيدته (النقاط على الحروف)
انزعي عنك الثياب المسرحيه
وأجيبي
من بنا كان الجبانا ؟
من هو المسئول عن موت هوانا ؟
من بنا قد باع للثاني القصور الورقيه ﹾ؟
من هو القاتل فينا..والضحيه ؟
من ترى أصبح منا بهلوانا
بين يوم وعشيهﹾ ؟
هو ﺇذن بشر يغضب ويثور ، بعيد عن المثالية أو الملائكية ، بعيد أيضا عن فكرة الحب العذري ، فالوصف الجسدي يتواجد كثيرا في أشعاره ..
لم تبق زاوية بجسم جميلة
ﺇلا ومرت فوقها عرباتي
لكن نظرته للجنس ترتفع عن مجرد ﺇشباع الغريزة ، يراه تتويجا للحب ، وحالة من الامتزاج والتوحد بين المحبين ..فهو يقول في قصيدة (الدخول ﺇلى البحر)
حدثت تجربة الحب أخيرا
حدثت من غير ﺇرهاب ولا قسر
فأعطيت ﹸوأعطيت ﹺ
وكنا عادلين ﹾ
حدثت في منتهى اليسر
كما يكتب المرء بماء الياسمين
ويتضح ذلك أكثر وأكثر في قوله :
فالجنس في تصوري
حكاية انسجامِ
كالنحت..كالتصوير ..كالكتابهﹾ
وجسمك النقي كالقشطة والرخام ِ
لا يحسن الكتابهﹾ
ويتحدث عن فقدان اللذة معناها في غياب الحب في ختام قصيدة (2000 تحت الصفر )
طلع الصباح وأنت جالسة
على طرف السرير ﹾ
وأنا أفتش تحت سطح الثلج
عن حبي الكبير ﹾ
طلع الصباح ولم أجد
حبي الكبير ولا الصغير ﹾ
هو في حبه بشر كسواه ، يعشق ويعتب ، يحنو ويثور ، يشبع غرائزه ، يصنع رومانسيته من الأشياء الصغيرة المحيطة به ، وينشد للحب وللجمال .
هكذا يبدو طريق اثنين من أهم شعراء الحب في القرن العشرين ، واحد يصنع حبه على الأرض ، واﻵخر يحلق مع أحلامه فوق السحاب .
وأود أن أحيا بفكرة شاعر
فأرى الوجود يضيق عن أحلامي
شعر..أبي القاسم الشابي
قصيدة..قيود الأحلام
يقول ﺇبراهيم ناجي :
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة
ويقول نزار قباني :
وأشعر أني أؤسس شيئا
وأشعر حين أحبك أني
أغير عصري
ويبدو في هذا الكلمات الفارق بين المنهج الذي يتبعه كلا الشاعرين في أشعار الحب التي أبدعها كل منهما ، ناجي في النصف الأول من القرن الفائت ، ونزار في نصفه الثاني .
يتحدث ناجي عن حبيبة هي أقرب الى التقديس ، وصفها مثالي تماما خال من أي نقص بشري ..يحدثها وهو ينظر الى أعلى ..الى السماء..
أنت يا معجزة الحسن ملك
كل لفظ منك شعر قدسيّ
ويقول :
قدماك ما انتقلا على درجِ
حاشاك بل خطرا على ثبجِ
كسفينة خفت على اللججِ
نشوى بما حملت من الفرجِ
تأمل هذا الوصف في قصيدة (الخريف)
أي سر فيك اني لست أدري
كل ما فيك من الأسرار يغري
خطر ينساب من مفتر ثغر
فتنة تعصف من لفتة نحر
قدر ينسج من خصلة شعر
زورق يسبح في موجة عطر
في عباب غامض التيار يجري
واصلا ما بين عينيك وعمري
لا يصف ناجي ما تراه عيناه ، أو لا يعطي المادة المحسوسة اعتبارا قدر ما يعطي خياله وروحه التي تنشد الجمال المطلق ..
مكان اللقاء عند ناجي هو دائما الطبيعة ..الخمائل والشجر والماء الرقراق
لك في خيالي روضة فينانة ﹼ
غنّى على أغصانها شاديها
ويقول في (الأطلال )
يا حبيبا زرت يوما أيكهﹸ
طائر الشوق أغني ألمي
تأمله وهو يتحدث عن طريق ليس فيه ﺇلا هو ومن يحب :
ومشينا في طريق مقمرﹴ
تثب الفرحة فيه قبلنا
وتطلعنا ﺇلى أنجمه
فتهاوين وأصبحن لنا
وضحكنا ضحك طفلين معـﴼ
وعدونا فسبقنا ظلنا !
وفي جنح الليل الساكن الوديع ..
يا لها من حقبة كانت على
قصر فيها كـﺂماد فساحﹾ
نتمنى كلما امتدت بنا
أن يظل الليل مجهول الصباحﹾ !
ويقول في (الوداع) :
يقظة طاحت بأحلام الكرى
وتولى الليل والليل صديقﹾ
هذه الصورة السامية للحبيبة ، يقابلها شعور باستحالة امتلاكها ، فالبشري الضعيف لا يمكنه أن يصل ﺇلى الملك النوراني البعيد ، تأمل قوله في قصيدة (الغد) :
يا جنان الخلد قدمت اعتذاري
ﺇذ يطوف الخلد سقمي ودماري
أيها اﻵمر في ملك الهوى
اعف عن لهفة روحي وأواري
أشتهي ضمك حتى أشتفي
فكأني ظامئ آخذ ثاري
غير أني كلما امتدت يدي
لعناق ..خفت أن تؤذيك ناري !
ولذلك فاللقاء بينهما لقاء خاطف كالحلم ..لا يلبث أن ينتهي ويخلف الشاعر لى هجر طويل ومعاناة طويلة ..
حلم كما لمع الشهاب توارى
سدلت عليه يد الزمان ستارا
وحبيس شجو في دمي أطلقته
متدفقا ودعوته أشعارا
ويقول في (الخريف) :
أخيالا كان هذا كله ؟
ذلك الجسر الذي كنا عليه
والمصابيح التي في جانبيه
ذلك النيل وما في شاطئيه
وشعاع طوفت في مائه
وظلال رسبت في ضفتيه
وحبيب وادع في ساعدي
ووعود نلتها من شفتيه !
مثالي في حبه تماما ، لا يتحول عن الاخلاص مهما يكن ، وكثيرا ما يعتبر هذا الأخلاص قيدا لا يمكنه الفرار منه :
لا أنت نائية ولا أنا نائي
ﺇني لديك مقيد بوفائي
.......................
لم أقيدك بشيء في الهوى
أنت من حبي ومن وجدي طليقﹾ
الهوى الخالص قيد وحده
رب حر وهو في قيد وثيقﹾ
بل هو يتمنى العودة ﺇليه لو ابتعد
كم تقلبت على خنجره
لا الهوى مال ولا الجفن غفا
وﺇذا القلب على غفرانه
كلما غاربه النصل ..عفا
حتى بعد الفراق لا تجده الا فيما ندر يثور أو يسخط ، بل يحمل الحب والامتنان ..يتضح ذلك في بيته بقصيدة (شفاعة)
لا تنكرن الشمس عند غروبها
أوما نعمت بدفئها وظلالها ؟
هو ﺇذن يخلق عالما مثاليا تماما..حبيبة ملائكية ، ومحب مخلص لا يتحول عن الاخلاص ، ولقاء في أحضان الطبيعة الخلابة..ولذا تجد شعره صافيا موسيقاه رائقة وجمله سلسة يزينها حسن التقسيم وأبحره رقيقة كالرمل والرجز ، هذه النظرة ، وهذا السمو فوق الواقع العادي بتفاصيله ومتاعبه وكل صور القبح التي لا يخلو منها يجعل الحب في شعر ناجي تحليقا روحيا لا تطاله رغبات الجسد
وتلاشت واختفت أجسادنا
واعتنقنا في الدجى روحا بروح
بل يمنحه سموا فوق البشرية نفسها ..تأمل هذا البيت الرائع من الأطلال الذي لم تغنه (أم كلثوم)
ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مسنا !
فوق عالم البشر بأكمله..
لست أنساك وقد علمتني
كيف يحيا رجل فوق الحياة !
*****
عند الحديث عن نزار قباني فالوضع يختلف ، فنحن أمام شاعر بدأ منذ ديوانه الأول بلغة مختلفة عن السائد ، وأدهش الكل بمفردات مستقاة من الحياة اليومية وبقصائد بعناوين (تليفون) و(أثواب) ، هو دائما يصف ما تراه العين ، يصف شيئا حقيقيا لكنه يغلفه باحساسه الخاص وخياله ..
شال الكشمير على كتفيك ..
يرق حديقة ريحان ِ
يدك الممدودة فوق يدي
أعظم من كل التيجان ِ
ويقول :
ﺇذا جئتني ذات يوم بثوب ﹴ
كعشب البحيرات أخضر أخضرﹾ
وشعرك ملقى على كتفيك
كبحر..كأبعاد ليل مبعثر ﹾ
نزار يعيش عالما واقعيا ، فهو يتحدث ﺇلى حبيبته عبر الهاتف ويجلس معها بالمقهى ويقرأ معها الشعر . تأمل حديثه المتكرر عن المقهى ..
دخلت اليوم للمقهى
وقد قررت أن أنسى علاقتنا
وأدفن كل أحزاني
وحين طلبت فنجانا من القهوه
خرجت كوردة بيضاء
من أعماق فنجاني
..............................
أجلس في المقهى منتظرﴽ
أن تأتي سيدتي الحلوه
أبتاع الصحف اليوميه
أفعل أشياء طفوليه
يقول في (بعد العاصفة) :
اني أحبك كيف يمكنني
أن أشعل التاريخ نيرانا
وبه معابدنا..جرائدنا
أقداح قهوتنا..زوايانا
وفي (ماذا أقول له ؟)
رباه أشياؤه الصغرى تعذبني
فكيف أنجو من الأشياء رباهﹸ
هنا جريدته في الركن مهملة
هنا كتاب معا كنا قرأناهﹸ
على المقاعد بعض من سجائره
وفي الزوايا بقايا من بقاياهﹸ
وفي الوقت الذي يبدو فيه ناجي ضعيفا أمام حبيبة مقدسة ، فنزار يجعل نفسه قويا معتزا بنفسه وبشعره ..فهو يقول متحديا من ينافسه في العشق :
أتحداهم جميعا
أن يخطوا لك مكتوب هوى
كمكاتيب غرامي
أو يجيئوك على كثرتهم
بحروف كحروفي
وكلام ككلامي
ويقول:
كتبت بالضوء عن عينيك هل أحد
سواي بالضوء عن عينيك قد كتبا ؟
وكنت مجهولة حتى أتيت أنا
أرمي على صدرك الأفلاك والشهبا
بل يزيد أن يفخر بحبيبته أيضا ، ويرفعها – معه – الى السماء :
يا التي من وجهها
تسقط أقمار الذهب
يا التي من صوتها
يبدأ تاريخ الأدب
يا التي تمشي
ويمشي خلفها حقل سنابل
وفي قصيدة (وقبلك كل النساء افتراض )
وقبلك ما كان للبحر اسم
ولا كان للورد اسم
ولا كان للشمس اسم
ولا كان مرعى
ولا كان عشبﹸ
وقبلك كل النساء افتراض
وكل القصائد كذب ﹸ
وتمثل الطبيعة جزءا مهما من شعر نزار قباني ،لكنها ليست الطبيعة الحالمة التي يرسمها ناجي من خياله ويهرب اليها من واقع الحياة ، بل هو يصف الطبيعة التي تراها عيناه ، في دمشق ، وفي بيروت ، وفيﺇسبانيا ، وأينما ذهب ، يحكي عن الشجرة الضاربة جذورها في بيته القديم بدمشق ، وعن البحر الذي يجلس أمامه في بيروت . يقول في (حبك طير أخضر):
حبك ينمو وحده
كما الحقول تزهرﹸ
كما على أبوابنا
ينمو الشقيق الأحمرﹸ
كما على السفوح
ينمو اللوز والصنوبرﹸ
كما بقلب الخوخ
يجري السكرﹸ
وفي (مع بيروتية)
بيروت تغيب بأكملها
رملا..وسماء..وبيوتا
تحت الجفنين المنسبلينﹾ
يصف نزار قباني ساعة الفراق بشكل غارق في واقعيته في قصيدة (ألا تجلسين قليلا ؟)
ألا تجلسين قليلا ؟
ألا تجلسين ؟
فان القضية أكبر منك
وأكبر مني
كما تعلمين
....................
ألا تجلسين لخمس دقائق أخرى
ففي القلب شيء كثير
وحزن كثير
وليس من السهل قتل العواطف في لحظات ﹾ
والقاء حبك في سلة المهملاتﹾ
فان تراثا من الحب والشعر والحزن
والخبز والملح والتبغ والذكرياتﹾ
يحاصرنا من جميع الجهاتﹾ
هذا التركيز على تفاصيل الواقع لا يجعله يسقط في الركاكة أو الابتذال ، ولكنه يأخذ المحسوسات ليمنحها من شاعريته ما يرتقي بها الى عالم الخيال والحلم ، فنجان القهوة لا يتوقف على كونه عادة يومية لكنه قد يقرأ ويبين المستقبل الخفي أو يبين أعماق النفس ، كما في (قارئة الفنجان) ، وكما يقول في (مع بيروتية):
المطعم أصبح مهجورا.
وأنا أتأمل فنجاني
ماذا سيكون بفنجاني
غير الأمطار ..وغير الريح
وغير طيور الأحزان ِ
ويتحدث عن حيرة التفكير في هدية عيد الميلاد ليرتفع بقيمة الشعر ..
في عيد ميلادك العشرين يا قمري
فكرت..فكرت في ما سوف أهديهِ
كل الخيارات تبدو لي محددة
يا من لعينيك كل العمر أعطيه
فكيف يفرح ﺇنسان حبيبته
ويكشف القلب عن أحلى أمانيه
الورد ؟ أصبح تقليدا اضيق به
والعطر ؟ لا امرأة الا وتقنيه
لذا سأرسل يوم العيد سيدتي
كتاب شعر فأرجو أن تحبيه
ومع نهاية العلاقة فقد يتحول الى الهجوم أو الثورة ، وتتحول رقته الى عنف بالغ :
أبعدي الوجه الذي أكرهه
أنت عندي في عداد الميتين
وفي قصيدته (النقاط على الحروف)
انزعي عنك الثياب المسرحيه
وأجيبي
من بنا كان الجبانا ؟
من هو المسئول عن موت هوانا ؟
من بنا قد باع للثاني القصور الورقيه ﹾ؟
من هو القاتل فينا..والضحيه ؟
من ترى أصبح منا بهلوانا
بين يوم وعشيهﹾ ؟
هو ﺇذن بشر يغضب ويثور ، بعيد عن المثالية أو الملائكية ، بعيد أيضا عن فكرة الحب العذري ، فالوصف الجسدي يتواجد كثيرا في أشعاره ..
لم تبق زاوية بجسم جميلة
ﺇلا ومرت فوقها عرباتي
لكن نظرته للجنس ترتفع عن مجرد ﺇشباع الغريزة ، يراه تتويجا للحب ، وحالة من الامتزاج والتوحد بين المحبين ..فهو يقول في قصيدة (الدخول ﺇلى البحر)
حدثت تجربة الحب أخيرا
حدثت من غير ﺇرهاب ولا قسر
فأعطيت ﹸوأعطيت ﹺ
وكنا عادلين ﹾ
حدثت في منتهى اليسر
كما يكتب المرء بماء الياسمين
ويتضح ذلك أكثر وأكثر في قوله :
فالجنس في تصوري
حكاية انسجامِ
كالنحت..كالتصوير ..كالكتابهﹾ
وجسمك النقي كالقشطة والرخام ِ
لا يحسن الكتابهﹾ
ويتحدث عن فقدان اللذة معناها في غياب الحب في ختام قصيدة (2000 تحت الصفر )
طلع الصباح وأنت جالسة
على طرف السرير ﹾ
وأنا أفتش تحت سطح الثلج
عن حبي الكبير ﹾ
طلع الصباح ولم أجد
حبي الكبير ولا الصغير ﹾ
هو في حبه بشر كسواه ، يعشق ويعتب ، يحنو ويثور ، يشبع غرائزه ، يصنع رومانسيته من الأشياء الصغيرة المحيطة به ، وينشد للحب وللجمال .
هكذا يبدو طريق اثنين من أهم شعراء الحب في القرن العشرين ، واحد يصنع حبه على الأرض ، واﻵخر يحلق مع أحلامه فوق السحاب .
١٦/١/٢٠٠٩
الألم
يوم جديد
الدم قبل النوم
نلبسه رداء
والدم صار ماء
يراق كل يوم !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الموت في الفراش
" في الحياة العادية حين يتشابك الناس ويتضاربون ليس هذا بضرب ، فاحساس المضروب أن باستطاعته أن يرد الضربة يخفف كثيرا من وقع ما يتلقاه ، والألم الذي ينتج عنها يتبخر في الحال ويستحيل الى حافز يدفع صاحبه للهجوم والانقضاض . بالاختصار أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرا أن ترده ..أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه ولا حرية لك ولا حق ولا قدرة لديك على رده..هناك تجرب الاحساس الحقيقي بالضرب ، بألم الضرب ، لا مجرد الألم الموضعي للضربة أو الألم العام الناتج عنها ، انما بألم آخر مصاحب ..أبشع..أقوى ، ألم الاهانة . حين تحس أن كل ضربة توجه الى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى الى كيانك كله ، الى احساسك وكرامتك كانسان . "
جزء من رواية (العسكري الأسود ) لـ (د.يوسف ادريس) يقفز الى ذاكرتي في هذه الأيام .
الدم قبل النوم
نلبسه رداء
والدم صار ماء
يراق كل يوم !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الموت في الفراش
" في الحياة العادية حين يتشابك الناس ويتضاربون ليس هذا بضرب ، فاحساس المضروب أن باستطاعته أن يرد الضربة يخفف كثيرا من وقع ما يتلقاه ، والألم الذي ينتج عنها يتبخر في الحال ويستحيل الى حافز يدفع صاحبه للهجوم والانقضاض . بالاختصار أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرا أن ترده ..أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه ولا حرية لك ولا حق ولا قدرة لديك على رده..هناك تجرب الاحساس الحقيقي بالضرب ، بألم الضرب ، لا مجرد الألم الموضعي للضربة أو الألم العام الناتج عنها ، انما بألم آخر مصاحب ..أبشع..أقوى ، ألم الاهانة . حين تحس أن كل ضربة توجه الى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى الى كيانك كله ، الى احساسك وكرامتك كانسان . "
جزء من رواية (العسكري الأسود ) لـ (د.يوسف ادريس) يقفز الى ذاكرتي في هذه الأيام .
١٢/١/٢٠٠٩
أزمتهم وأزمتنا
يوم جديد
يا تلاميذ غزةٍ لا تبالوا
باذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا..اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
ﺇننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا
ويتامى لا يملكون عيونا
شعر..نزار قباني
قصيدة..الغاضبون
من بين كل مشاهد القتل والخراب المتكررة التي تأتينا كل لحظة من غزة ، هل هناك جديد سوى أعداد الشهداء والمصابين التي تتزايد – بشكل مفزع- كل يوم ؟
ربما..هذه المرة لم تعقد قمة عربية يجتمع فيها القادة العرب ، ليمطروا الشاشات والصحف بعبارات الشجب واﻹدانة والاستنكار والرفض (من حسن حظهم أن اللغة العربية لغة ثرية جدا وبها كثير من المفردات لنفس المعنى) ، كانوا أكثر صراحة مع أنفسهم هذه المرة ، واعترفوا – ضمنا – بعدم جدوى هذه القمم . ربما الجديد أيضا ، هو كم الهجوم الذي يصب على المقاوم (حماس) وعلى حزب الله وﺇيران ، بما يكاد يوازي أو يزيد على ما يوجه ﻹسرائيل ..وهذه المحاولات (المريبة) لتصوير هؤلاء على أنهم أشد خطرا من ﺇسرائيل .
لكن أمام كل ما يجري في غزة ماذا فعلنا ؟
أتحدث هنا عن مصر ، فهي التي تعنيني ، ولا شأن لي بالدول العربية الأخرى ، لا بموقفها من العدوان ، ولا بالاتهامات التي كالتها لمصر ، وكما كتب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) من قبل فان تصوير القضية الفلسطينية كان خاطئا منذ بداية الأزمة ، فهي ﺇن كانت بالنسبة لدول عربية أخرى بلدا شقيقا في العروبة واﻹسلام ، فهي بالنسبة لمصر بلدة جوار تفصلنا عنها حدود ، وقضيتها هي قضية (أمن قومي مصري) ، وﺇذن فنحن منغمسون في القضية شئنا أم أبينا . والقتلى الفلسطينيين ليسوا مجرد شهداء في بقعة من الدنيا نترحم عليهم ، ونحزن لما يجري فيهم ، ثم نواصل حياتنا العادية ، بل ﺇن دماءهم تتناثر علينا ، ومصابيهم يعالجون في مستشفياتنا (ليس بدافع الأخوة ولكن لأنها الأقرب مكانا ) ،وأظن الضابط المصري الذي قتل على الحدود ليس ببعيد ، ولا الضابطين والطفلين الذين أصابتهم شظايا صواريخ ﺇسرائيلية في رفح المصرية . وبالتالي فتخاذل النظام المصري في فتح المعبر ، وفي القيام بأي ضغط سياسي على ﺇسرائيل لا يؤثر فقط على ﺇخواننا في فلسطين ، بل ينسحب علينا في مصر ، ومن المؤسف أن دولة من خارج المنطقة ، غير عربية وغير مسلمة ، كفنزويلا تقوم بطرد سفير ﺇسرائيل من أراضيها كاحتجاج (ﺇنساني) ، ولا يكون التحرك المصري على نفس المستوى ،والأسوأ أن يصدر في نفس الوقت حكم قضائي ثان بعدم شرعية تصدير الغازﻹسرائيل ، ويضرب به عرض الحائط .
باختصار..
*النظام المصري قد لا يسعده ما يجري في غزة ، لكنه غير مستعد للتضحية بالصداقة اﻹسرائيلية – الأمريكية وخسارة صفقات مثل تصدير الغاز من أجل ﺇنقاذ الموقف .
*النظام في الوقت نفسه ، سيرتاح لسقوط حماس ، ويستغل الفرصة لشن الهجوم عليها وعلى التيار اﻹسلامي عموما ، ومنه اﻹخوان في مصر ، وهو يقدم نفسه للعالم على أنه المنقذ من خطر هذا التيار، وهو ولو كان لن يشارك في الاعتداء عليها ، لكن لن ينهض بكل قوته لتخليصها .
*الحكومة المصرية لا تلقي بالا بأي ضغط شعبي ، أو بالرأي العام ، ﺇضافة ﺇلى أنه ضغط غير منظم وعفوي ومؤقت ، سوف تتعامل معه ﺇما بالتجاهل ، أو بالتشديد الأمني واعتقال المتظاهرين ، وبعض تصريحات التهدئة (وتبدو المفارقة بين قادة ﺇسرائيل الذين يروجون للعدوان على أنه تأمين لمواطنيهم لكسب أصواتهم في الانتخابات القريبة بينما لا تمثل أصوات المواطنين لدينا لا في الانتخابات ولا في المظاهرات قيمة تذكر ! )
*كل ما هو متوقع من الدبلوماسية المصرية هو اتفاقات (ودية) مع الجانب اﻹسرائيلي من أجل (تخفيف) العدوان أو (السماح) بدخول مساعدات أو اﻹسراع بانهاء العمليات ولن تستجيب لها ﺇسرائيل ﺇلا بعد تحقيق أهدافها وفرضها على الأرض .
*لا يبدو واضحا لدى كثيرين أن الدولة الصهيونية التي تزداد قوة وغطرسة وتنكيلا بأعدائها ، ذات الميول التوسعية ، لا توجد في المريخ ولكن على حدودنا !
يا تلاميذ غزةٍ لا تبالوا
باذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا..اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
ﺇننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا
ويتامى لا يملكون عيونا
شعر..نزار قباني
قصيدة..الغاضبون
من بين كل مشاهد القتل والخراب المتكررة التي تأتينا كل لحظة من غزة ، هل هناك جديد سوى أعداد الشهداء والمصابين التي تتزايد – بشكل مفزع- كل يوم ؟
ربما..هذه المرة لم تعقد قمة عربية يجتمع فيها القادة العرب ، ليمطروا الشاشات والصحف بعبارات الشجب واﻹدانة والاستنكار والرفض (من حسن حظهم أن اللغة العربية لغة ثرية جدا وبها كثير من المفردات لنفس المعنى) ، كانوا أكثر صراحة مع أنفسهم هذه المرة ، واعترفوا – ضمنا – بعدم جدوى هذه القمم . ربما الجديد أيضا ، هو كم الهجوم الذي يصب على المقاوم (حماس) وعلى حزب الله وﺇيران ، بما يكاد يوازي أو يزيد على ما يوجه ﻹسرائيل ..وهذه المحاولات (المريبة) لتصوير هؤلاء على أنهم أشد خطرا من ﺇسرائيل .
لكن أمام كل ما يجري في غزة ماذا فعلنا ؟
أتحدث هنا عن مصر ، فهي التي تعنيني ، ولا شأن لي بالدول العربية الأخرى ، لا بموقفها من العدوان ، ولا بالاتهامات التي كالتها لمصر ، وكما كتب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) من قبل فان تصوير القضية الفلسطينية كان خاطئا منذ بداية الأزمة ، فهي ﺇن كانت بالنسبة لدول عربية أخرى بلدا شقيقا في العروبة واﻹسلام ، فهي بالنسبة لمصر بلدة جوار تفصلنا عنها حدود ، وقضيتها هي قضية (أمن قومي مصري) ، وﺇذن فنحن منغمسون في القضية شئنا أم أبينا . والقتلى الفلسطينيين ليسوا مجرد شهداء في بقعة من الدنيا نترحم عليهم ، ونحزن لما يجري فيهم ، ثم نواصل حياتنا العادية ، بل ﺇن دماءهم تتناثر علينا ، ومصابيهم يعالجون في مستشفياتنا (ليس بدافع الأخوة ولكن لأنها الأقرب مكانا ) ،وأظن الضابط المصري الذي قتل على الحدود ليس ببعيد ، ولا الضابطين والطفلين الذين أصابتهم شظايا صواريخ ﺇسرائيلية في رفح المصرية . وبالتالي فتخاذل النظام المصري في فتح المعبر ، وفي القيام بأي ضغط سياسي على ﺇسرائيل لا يؤثر فقط على ﺇخواننا في فلسطين ، بل ينسحب علينا في مصر ، ومن المؤسف أن دولة من خارج المنطقة ، غير عربية وغير مسلمة ، كفنزويلا تقوم بطرد سفير ﺇسرائيل من أراضيها كاحتجاج (ﺇنساني) ، ولا يكون التحرك المصري على نفس المستوى ،والأسوأ أن يصدر في نفس الوقت حكم قضائي ثان بعدم شرعية تصدير الغازﻹسرائيل ، ويضرب به عرض الحائط .
باختصار..
*النظام المصري قد لا يسعده ما يجري في غزة ، لكنه غير مستعد للتضحية بالصداقة اﻹسرائيلية – الأمريكية وخسارة صفقات مثل تصدير الغاز من أجل ﺇنقاذ الموقف .
*النظام في الوقت نفسه ، سيرتاح لسقوط حماس ، ويستغل الفرصة لشن الهجوم عليها وعلى التيار اﻹسلامي عموما ، ومنه اﻹخوان في مصر ، وهو يقدم نفسه للعالم على أنه المنقذ من خطر هذا التيار، وهو ولو كان لن يشارك في الاعتداء عليها ، لكن لن ينهض بكل قوته لتخليصها .
*الحكومة المصرية لا تلقي بالا بأي ضغط شعبي ، أو بالرأي العام ، ﺇضافة ﺇلى أنه ضغط غير منظم وعفوي ومؤقت ، سوف تتعامل معه ﺇما بالتجاهل ، أو بالتشديد الأمني واعتقال المتظاهرين ، وبعض تصريحات التهدئة (وتبدو المفارقة بين قادة ﺇسرائيل الذين يروجون للعدوان على أنه تأمين لمواطنيهم لكسب أصواتهم في الانتخابات القريبة بينما لا تمثل أصوات المواطنين لدينا لا في الانتخابات ولا في المظاهرات قيمة تذكر ! )
*كل ما هو متوقع من الدبلوماسية المصرية هو اتفاقات (ودية) مع الجانب اﻹسرائيلي من أجل (تخفيف) العدوان أو (السماح) بدخول مساعدات أو اﻹسراع بانهاء العمليات ولن تستجيب لها ﺇسرائيل ﺇلا بعد تحقيق أهدافها وفرضها على الأرض .
*لا يبدو واضحا لدى كثيرين أن الدولة الصهيونية التي تزداد قوة وغطرسة وتنكيلا بأعدائها ، ذات الميول التوسعية ، لا توجد في المريخ ولكن على حدودنا !
١٦/١٢/٢٠٠٨
زﹶبد
يوم جديد
شاك الى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
شعر..خليل مطران
قصيدة..المساء
" هكذا أصبح الوضع جيدا "
تمتم بها لنفسه بعد أن أحكم تثبيت الكرسي في الرمال ، وعدّل من وضع المظلة بحيث أصبح وجهه في مأمن من وهج الشمس ، وجلس مسترخيا وأخذ ينظر ﺇلى البحر الواسع أمامه ..
" ها أنا أفعل ما طلبوه فهل سينفع بشيء ؟ "
لم تكن لديه رغبة في السفر ، فلماذا يقطع كل هذه المسافة ليجلس على الشاطئ وقد انتهى الصيف وليس معه أحد من أصحابه ؟ ولكنه لم يجد شيئا ﺁخر ليفعله ، فاستسلم لرغبة والده الذي ألح عليه أن يسافر ويخلو بنفسه أمام البحر..
" أتظن أن هذا الخضم الواسع لن يقدر على حمل همومك البسيطة هذه ؟ "
هكذا قال له أبوه فهل قالها عن قناعة أم أنه يغريه بأي طريق للخروج مما هو فيه وحسب؟
قال لنفسه : لن أخسر شيئا من التجربة .
***
الجو الخريفي اللطيف ، والشاطئ الخالي ﺇلا من قليلين يتناثرون هنا وهناك ، صنعا حالة من الهدوء لم يكن يفضلها عادة لكنها قد تكون الأنسب في هذه الظروف ، فقد أصابته حالة من الاكتئاب بعد حادث السيارة الذي تعرض له ، ورغم أنه لم يصب بسوء ، وخرج على قدميه سالما ، ﺇلا أن التلف الكبير الذي تعرضت له السيارة لم يترك له سبيلا سوى أن يبيعها بثمن بخس ..يعتريه الضيق كلما تذكر لحظة خروج السيارة عن سيطرته ، وﺇحساسه أنها تقفز به في الهواء ثم وهو يراها كتلة من الحديد والزجاج المهشم ..
قال له أبوه ﺇن المهم هو سلامته ، ولم يعنفه – كعادته – على تهوره وقيادته السريعة ..هكذا قال هو أيضا لنفسه ولكل من سأله عن أمر الحادث ، لكنه لم يكن في داخله مقتنعا ، ظل شيء ما يؤرقه ، وبدأ يعزف عما حوله ومن حوله ، ويتحول ﺇلى العزلة وﺇطالة التفكير ..
بقي على هذا لفترة ، ثم عاد للخروج – مضطرا – مع بداية العام الدراسي ليذهب ﺇلى الكلية ، ولم يغب عن زملائه أنه ليس كعهدهم به ، حتى انتهى الأسبوع الأول وأتت نصيحة والده التي أيدها صديقه ( عادل ) ..ابتسم وهو يتذكر كلمات (عادل) حين قال له بحماس :
" ﺇنها فرصة لترى نفسك في مرﺁة البحر "
كعادته يفلسف كل شيء ، ويقول الكلام الكبير الذي يطالعه في الكتب ، ولم يفت عليه أن يهديه واحدا من كتبه رغم علمه أنه لا يحب القراءة ..
***
لم تختلف أفكاره في جلسته أمام البحر عن الأفكار التي كانت تعاوده في عزلته الأخيرة .. لا يعتقد أن تلف السيارة وحده سبب كل هذا ، فأبوه لم يغضب ، ويمكنه أن يشتري أخرى دون عناء ، لكن هناك دائما شيئا ينغص استمتاعه بوقته ، هناك شيء ناقص يجعله يشعر بالملل والضيق لأتفه الأسباب ..ها هي الأفكار نفسها التي لا تتركه تعود لتجر بعضها بعضا ، ولا يضيف الجلوس هنا سوى مزيد من الملل .
رأى أن يكسر الملل بالاستماع ﺇلى اﻹذاعة عبر المسجل الصغير الذي يحمله ، وجد أغنية يحبها وبدأ يهتز برفق مع ﺇيقاعها السريع ، ولكنها سرعان ما انتهت وحلت محلها مقطوعة موسيقية هادئة ..
" الكل يتـﺂمر عليّ اليوم ! "
لم يكن يحب هذا النوع من الموسيقا ، بل كان دوما يندهش من هؤلاء الذين يحضرون حفلاته ، ويجلسون ثابتين في مقاعدهم لسماع هذه اﻹيقاعات الرتيبة التي لا يصاحبها غناء ..ولم يطل صبره أكثر من دقيقتين حتى تحول ﺇلى محطة أخرى ، ثم ما لبث أن قام ليوقف كل هذا ويلبي نداء الجوع ..
***
مع العودة للتفكير عاد السؤال نفسه ﺇلى عقله :
" لماذا لا أشعر بسعادة حقيقية ؟ "
مع أن من أسبابها ما يتوافر لديه ويحسده عليه كثيرون في مثل عمره .. أب ميسور الحال لا يبخل على ابنه الوحيد الذي فقد أمه طفلا – بشيء ، ولا يضايقه بشدة في المعاملة أو بأي قيود على حريته ، ودراسة لا يحبها كثيرا لكنه ليس ناقما عليها ..أبوه يحبه لا شك ، وهو أيضا يبادله الحب ، ربما لا يتبادلان الحديث طويلا فهو يقضي أغلب الوقت مع أصحابه أو في دراسته ، وأبوه أيضا منهمك في عمله الذي لا يعرف هو عنه الشيء الكثير ، لا يقضيان أوقات ممتدة معا لكن الأمور تسير طيبة ، أو كانت كذلك ..
زفر وأخرج من حقيبته الكتاب الذي أعطاه ﺇياه (عادل) ..لم يكن يجد متعة في القراءة ، فأية متعة في ﺇجهاد عينيه ورأسه في كلام منثور على أوراق ؟ جعل يقلب في صفحات الكتاب . يقول (عادل) ﺇنه كتاب صوفي ، ماله بهؤلاء الذين يدورون حول أنفسهم وينشدون كلامهم الغريب ؟
تركه وراح يتذكر آخر مرة ذهب فيها ﺇلى البحر، كانت قبل شهرين برفقة أصحابه ، وقضوا أياما يسبحون و يلهون على الشاطئ ويتنزهون في كل مكان ، لكنه لا يذكر من هذه الأيام - على قربها - ﺇلا القليل .. لا يذكر ﺇلا بعضا من الصور الباهتة المتباعدة ، بينما رائحة البحر تبقى .
" لماذا لا تنسى هذه الرائحة ؟ "
اندهش .
***
مع الغروب لم يعد هناك مفر من التأمل ، خاصة مع هذا الصفاء الذي يغلف السماء ، وحالة الهدوء المطلق التي لا يكسرها سوى دفقات الأمواج التي تقبل وتبتعد في أصوات منتظمة متناغمة . بدا له الماء أكثر نقاء ، ورائحة البحر كأنها تتسلل داخل نفسه ، لماذا يحمل هدير الأمواج هذا الصوت المميز ؟ ربما لا يكون جميلا لكنه مميز..خاص..لا يمكن أن يسمع من مصدر ﺁخر .,كأنه صوت شيء خفي لا يبصر ، شيء في باطن هذه الزرقة وتحت هذا الزبد الأبيض ، يخفيه هذا البحر الذي يخفي في أعماقه الكثير ..يعود السؤال :
" لماذا لا تكتمل سعادتي أبدا ؟ "
فكر أن الله قد يكون غير راض عنه . يصلي أحيانا لكن كثيرا ما يتكاسل ..ربما يحتاج أن يكون أكثر مواظبة على العبادة ، فلعل هذا يبعده عن الضيق والهموم . راقت له الفكرة ، تبدو أفضل من الحيرة التي يدور فيها منذ بداية الأزمة .. ربما لو اجتهد أكثر في الدراسة فسوف ينسيه انهماكه كل شيء..لم لا ؟
راح يعب من النسيم الرائق بهدوء وعمق ، ويزيد من تطلعه ﺇلى البحر ..كأنه يستنطقه..لاحت في ذهنه صورة معلقة في البيت لأمه وهي تحمله رضيعا..هل يفتقدها ؟ لا يذكر عنها الكثير فقد ماتت وهو لا يزال في طفولته المبكرة ، لكن ربما لو كانت موجودة لأخرجته من حيرته ، أو لأعطى وجودها روحا مختلفة لكل شيء..
بقي على حالته يفكر، ثم وجد ذهنه قد أرهق فتوقف واكتفى بالتمتع بالنسيم البارد المنعش . فجأة قام متحمسا ، لكنه لم يكن حماسا لصنع تغيير جذري في حياته ، بل لينظر عن قرب ﺇلى الحسناء التي مرت من أمامه في ثياب البحر..
شاك الى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
شعر..خليل مطران
قصيدة..المساء
" هكذا أصبح الوضع جيدا "
تمتم بها لنفسه بعد أن أحكم تثبيت الكرسي في الرمال ، وعدّل من وضع المظلة بحيث أصبح وجهه في مأمن من وهج الشمس ، وجلس مسترخيا وأخذ ينظر ﺇلى البحر الواسع أمامه ..
" ها أنا أفعل ما طلبوه فهل سينفع بشيء ؟ "
لم تكن لديه رغبة في السفر ، فلماذا يقطع كل هذه المسافة ليجلس على الشاطئ وقد انتهى الصيف وليس معه أحد من أصحابه ؟ ولكنه لم يجد شيئا ﺁخر ليفعله ، فاستسلم لرغبة والده الذي ألح عليه أن يسافر ويخلو بنفسه أمام البحر..
" أتظن أن هذا الخضم الواسع لن يقدر على حمل همومك البسيطة هذه ؟ "
هكذا قال له أبوه فهل قالها عن قناعة أم أنه يغريه بأي طريق للخروج مما هو فيه وحسب؟
قال لنفسه : لن أخسر شيئا من التجربة .
***
الجو الخريفي اللطيف ، والشاطئ الخالي ﺇلا من قليلين يتناثرون هنا وهناك ، صنعا حالة من الهدوء لم يكن يفضلها عادة لكنها قد تكون الأنسب في هذه الظروف ، فقد أصابته حالة من الاكتئاب بعد حادث السيارة الذي تعرض له ، ورغم أنه لم يصب بسوء ، وخرج على قدميه سالما ، ﺇلا أن التلف الكبير الذي تعرضت له السيارة لم يترك له سبيلا سوى أن يبيعها بثمن بخس ..يعتريه الضيق كلما تذكر لحظة خروج السيارة عن سيطرته ، وﺇحساسه أنها تقفز به في الهواء ثم وهو يراها كتلة من الحديد والزجاج المهشم ..
قال له أبوه ﺇن المهم هو سلامته ، ولم يعنفه – كعادته – على تهوره وقيادته السريعة ..هكذا قال هو أيضا لنفسه ولكل من سأله عن أمر الحادث ، لكنه لم يكن في داخله مقتنعا ، ظل شيء ما يؤرقه ، وبدأ يعزف عما حوله ومن حوله ، ويتحول ﺇلى العزلة وﺇطالة التفكير ..
بقي على هذا لفترة ، ثم عاد للخروج – مضطرا – مع بداية العام الدراسي ليذهب ﺇلى الكلية ، ولم يغب عن زملائه أنه ليس كعهدهم به ، حتى انتهى الأسبوع الأول وأتت نصيحة والده التي أيدها صديقه ( عادل ) ..ابتسم وهو يتذكر كلمات (عادل) حين قال له بحماس :
" ﺇنها فرصة لترى نفسك في مرﺁة البحر "
كعادته يفلسف كل شيء ، ويقول الكلام الكبير الذي يطالعه في الكتب ، ولم يفت عليه أن يهديه واحدا من كتبه رغم علمه أنه لا يحب القراءة ..
***
لم تختلف أفكاره في جلسته أمام البحر عن الأفكار التي كانت تعاوده في عزلته الأخيرة .. لا يعتقد أن تلف السيارة وحده سبب كل هذا ، فأبوه لم يغضب ، ويمكنه أن يشتري أخرى دون عناء ، لكن هناك دائما شيئا ينغص استمتاعه بوقته ، هناك شيء ناقص يجعله يشعر بالملل والضيق لأتفه الأسباب ..ها هي الأفكار نفسها التي لا تتركه تعود لتجر بعضها بعضا ، ولا يضيف الجلوس هنا سوى مزيد من الملل .
رأى أن يكسر الملل بالاستماع ﺇلى اﻹذاعة عبر المسجل الصغير الذي يحمله ، وجد أغنية يحبها وبدأ يهتز برفق مع ﺇيقاعها السريع ، ولكنها سرعان ما انتهت وحلت محلها مقطوعة موسيقية هادئة ..
" الكل يتـﺂمر عليّ اليوم ! "
لم يكن يحب هذا النوع من الموسيقا ، بل كان دوما يندهش من هؤلاء الذين يحضرون حفلاته ، ويجلسون ثابتين في مقاعدهم لسماع هذه اﻹيقاعات الرتيبة التي لا يصاحبها غناء ..ولم يطل صبره أكثر من دقيقتين حتى تحول ﺇلى محطة أخرى ، ثم ما لبث أن قام ليوقف كل هذا ويلبي نداء الجوع ..
***
مع العودة للتفكير عاد السؤال نفسه ﺇلى عقله :
" لماذا لا أشعر بسعادة حقيقية ؟ "
مع أن من أسبابها ما يتوافر لديه ويحسده عليه كثيرون في مثل عمره .. أب ميسور الحال لا يبخل على ابنه الوحيد الذي فقد أمه طفلا – بشيء ، ولا يضايقه بشدة في المعاملة أو بأي قيود على حريته ، ودراسة لا يحبها كثيرا لكنه ليس ناقما عليها ..أبوه يحبه لا شك ، وهو أيضا يبادله الحب ، ربما لا يتبادلان الحديث طويلا فهو يقضي أغلب الوقت مع أصحابه أو في دراسته ، وأبوه أيضا منهمك في عمله الذي لا يعرف هو عنه الشيء الكثير ، لا يقضيان أوقات ممتدة معا لكن الأمور تسير طيبة ، أو كانت كذلك ..
زفر وأخرج من حقيبته الكتاب الذي أعطاه ﺇياه (عادل) ..لم يكن يجد متعة في القراءة ، فأية متعة في ﺇجهاد عينيه ورأسه في كلام منثور على أوراق ؟ جعل يقلب في صفحات الكتاب . يقول (عادل) ﺇنه كتاب صوفي ، ماله بهؤلاء الذين يدورون حول أنفسهم وينشدون كلامهم الغريب ؟
تركه وراح يتذكر آخر مرة ذهب فيها ﺇلى البحر، كانت قبل شهرين برفقة أصحابه ، وقضوا أياما يسبحون و يلهون على الشاطئ ويتنزهون في كل مكان ، لكنه لا يذكر من هذه الأيام - على قربها - ﺇلا القليل .. لا يذكر ﺇلا بعضا من الصور الباهتة المتباعدة ، بينما رائحة البحر تبقى .
" لماذا لا تنسى هذه الرائحة ؟ "
اندهش .
***
مع الغروب لم يعد هناك مفر من التأمل ، خاصة مع هذا الصفاء الذي يغلف السماء ، وحالة الهدوء المطلق التي لا يكسرها سوى دفقات الأمواج التي تقبل وتبتعد في أصوات منتظمة متناغمة . بدا له الماء أكثر نقاء ، ورائحة البحر كأنها تتسلل داخل نفسه ، لماذا يحمل هدير الأمواج هذا الصوت المميز ؟ ربما لا يكون جميلا لكنه مميز..خاص..لا يمكن أن يسمع من مصدر ﺁخر .,كأنه صوت شيء خفي لا يبصر ، شيء في باطن هذه الزرقة وتحت هذا الزبد الأبيض ، يخفيه هذا البحر الذي يخفي في أعماقه الكثير ..يعود السؤال :
" لماذا لا تكتمل سعادتي أبدا ؟ "
فكر أن الله قد يكون غير راض عنه . يصلي أحيانا لكن كثيرا ما يتكاسل ..ربما يحتاج أن يكون أكثر مواظبة على العبادة ، فلعل هذا يبعده عن الضيق والهموم . راقت له الفكرة ، تبدو أفضل من الحيرة التي يدور فيها منذ بداية الأزمة .. ربما لو اجتهد أكثر في الدراسة فسوف ينسيه انهماكه كل شيء..لم لا ؟
راح يعب من النسيم الرائق بهدوء وعمق ، ويزيد من تطلعه ﺇلى البحر ..كأنه يستنطقه..لاحت في ذهنه صورة معلقة في البيت لأمه وهي تحمله رضيعا..هل يفتقدها ؟ لا يذكر عنها الكثير فقد ماتت وهو لا يزال في طفولته المبكرة ، لكن ربما لو كانت موجودة لأخرجته من حيرته ، أو لأعطى وجودها روحا مختلفة لكل شيء..
بقي على حالته يفكر، ثم وجد ذهنه قد أرهق فتوقف واكتفى بالتمتع بالنسيم البارد المنعش . فجأة قام متحمسا ، لكنه لم يكن حماسا لصنع تغيير جذري في حياته ، بل لينظر عن قرب ﺇلى الحسناء التي مرت من أمامه في ثياب البحر..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)