٤/٤/٢٠١٠
يوميات (3) ..أن تنظر خلفك
أيها القادم في عنف قطار الموت ِ
رفقا بالوجوه المتعبه
نحن جربنا كثيرا
وابتلعنا خيبة الوهم حسيرا وكسيرا
وتعلقنا طويلا بذيول العربه
شعر..فاروق شوشة
قصيدة..يدوسنا عام جديد
ديوان..الدائرة المحكمة
كنت أتابع المباراة ، ولم تمض إلا دقائق قليلة حتى كان النجم المخضرم يحرز الهدف . وإذا بالصورة تنتقل نحو المدرجات ، ونرى أسرته ترتدي قمصانا مكتوبا على صدورها رقم 300. وهو ما يساوي عدد الأهداف التي أحرزها (ديل بييرو) في الدوري مع ناديه . وقبل أن تتوقف تحية الجماهير كان (ألكس) يحرز هدفه الثاني ، فنرى على ظهور قمصان الأسرة الرقم 301. لحظتها يقفز إلى ذهني عبد الوهاب مطاوع . مقال بعنوان : هذا حسن ! . أبحث عنه في فهارس كتبه المتراصة على الأرفف حتى أجده . أصل إلى الجملة التي أريدها :
" وإذا أردت أن تختبر نصيبك من السعادة الحقيقية ..فتوقف لتراجع حياتك الآن وتستعرض كل جوانبها ، فإذا استطعت بعد انتهاء المراجعة أن تقول كما قال الفيلسوف الألماني (كانت) وهو يراجع حياته قبل رحيله : هذا حسن ! ..فأنت إنسان سعيد . "
يمكن للنجم الآن - وهو في ختام حياته كلاعب - أن ينظر خلفه ويستمتع بما حققه ويقول : هذا حسن !
ألهذا يملؤني الضجر ؟ أهو السبب في الهم الذي يجثم على الأوقات فلا أعرف من أين يأتي ؟ أخشى أن أنظر خلفي . العجلة تدور والأيام تركض دون لحظة توقف ، وأنا أخاف وقفة المراجعة والحساب . أيام وسنوات أتمنى أن أنساها تماما وأحذفها كأن لم تكن . من أين أتى هذا الرجل بكل هذا الرضا عن النفس ؟
بيد أن الأمل يجب ألا ينقطع ، وقد ينقشع الضباب فأصل بعد التخبط والضلال إلى الطريق المبتغى . ومن يدري فقد يكون فيه من الفائدة ما أعجز عن رؤيته الآن . فلا شك أنني حاولت واجتهدت . وقد يكون حسنا أن أقول في أية لحظة أقرر فيها أن أنظر للوراء إنني لا ظلمت أحدا ولا حملت كرها لأحد . والله أعلم بالنية وبالعاقبة .
٢٧/٣/٢٠١٠
الفجوة
أين مني مجلس أنت به
فتنة تمت سناء وسنى
وأنا حب وقلب ودم ٌ
وفراش حائر منك دنا
شعر ..إبراهيم ناجي
قصيدة ..الأطلال
ذاهلا كنت عن كل شيء ، وصوت أم كلثوم ياخذني معه إلى أبعد الآفاق . دقائق من نشوة الروح يتلوها تأمل جمال الكلمات وروعة الموسيقا والجودة التي تغلف العمل بكل تفاصيله . قبل النوم أمد يدي كالعادة إلى الكتاب . أقرأ بعض صفحات تغسل إرهاق اليوم الطويل . لم يكن الكتاب إلا رواية لبهاء طاهر . في لحظة أكتشف أن أم كلثوم قد رحلت منذ عقود ، وأن بهاء طاهر -أطال الله عمره - جاوز السبعين . كأن هذه الأجيال القديمة لا تزال على القمة حتى الآن ، وأن فجوة زمنية كبيرة قد مرت دون أن يأتي من يتسلم الراية . لا أقصد أن كل هذه السنوات كانت قفرا من المواهب والإبداعات ، لكن لا شك أن تراجعا كبيرا قد حدث ، على المستوى القوة والزخم والتأثير ، وأن معدن الأجيال السابقة لا يزال أكثر بريقا وتوهجا .
مع أنه قد انتهى - للأبد ربما - عصر المطرب الأول والزعيم الأوحد والكاتب الأكبر ، وجاء عصر التعدد والانفتاح غير المحدود - لكن الكلام هنا عن عمق الموهبة وقوة المحتوى الإبداعي نفسه . فإذا كان الإعلام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ساهم في صنع شعبية أم كلثوم الجارفة ، وجعل منها أسطورة قريبة من القداسة لا يمكن المساس بها ، فإنه ليس سببا في أن يستمتع بها شخص من الجيل الحالي لم يعاصر شيئا من هذا كله .
الأسباب ؟ كثيرة . فإن كانت المواهب لا تنضب ، فالمناخ المواجب لرعايتها قد يتغير . تغيرات كثيرة توالت على المجتمع ، تدنت بطموح أفراده من الحلم العام إلى اشتهاء الخلاص الفردي ، وبمستوى تعليمهم إلى هوة الجهل ، وبالمثقفين إلى حد التجاهل أو حتى الازدراء .
الله الذي خلق حنجرة أم كلثوم قادر على خلق من تماثلها أو تفوقها ، لكنها قد لا تجد من يدفع بها إلى الساحة ويأخذ بيدها على الطريق ، أو قد لا يكون لديها ذلك الإصرار والاجتهاد والإخلاص في العمل ، وحسن الاختيار والذائقة ، أو قد تحمل موهبتها نحو تقديم أعمال هابطة ترضي السوق السائدة .
وما بأيدينا إلا السعي والتمسك بالأمل في الإصلاح . على مستوى الأدب هناك رواج في دور النشر والمكتبات الجديدة . وهي فرصة أن تقدم للساحة عددا أكبر من أصحاب الموهبة . وعالم الاتصالات المفتوحة يعطي الكثير من المساحة للإبداع غير المحدود بقيود المكان والمؤسسات . وقد يأتي اليوم الذي نستمتع فيه بما ينتجه حاضرنا دون أن نضطر للترحم على الماضي ، ونبش القبور بحثا عن رحيق إبداع !
٦/٢/٢٠١٠
يوميات (2) ..يومان
ما زلت أذكر عندماجاء الرحيل
وصاح في عيني الأرق
وتعثرت أنفاسنا بين الضلوع
وعاد يشطرنا القلق
ورأيت عمري في يديك
رياح صيف عابث
ورماد أحلام
وشيئا من ورق
هذا أناعمري ورق
حلمي ورق
طفل صغيرفي جحيم الموج حاصره الغرق
شعر..فاروق جويدة
قصيدة وديوان .. لو أننا لم نفترق
كانت أول مرة أذهب فيها للكلية حاملا تلك الورقة المهترئة المسماة ببطاقة الترشيح التي كانت تفتح لي الأبواب -لكنني لم ألحظ أنها كانت تصفع من خلفي بعنف- سامح كان أول من التقيته هناك .. طالب بالسنة الثالثة وعضو باحدى أسر الكلية يستقبل الطلاب الجدد - أمثالي- ..كان ودودا الى حد كبير وساعدني في انهاء الأوراق وعمل الكشف الطبي ..قادني سامح الى " مقر الأسرة " وبدت لي الكلمة ذات وقع رنان مع أن المكان لم يكن الا منطقة خالية بين مبنيين قديمين ..قلت:ان المباني تبدو قديمة جدا ..رد سامح:نعم..كليتنا عتيقة للغاية . كنت أشعر بشيء من التوتر لجدة المكان وانتقالي من مرحلة لأخرى ويبدو أن سامح شعر بالأمر فقال: كن على راحتك ..انها كليتك. أذكر ملامحه الدقيقة وهو يتحدث مبتسما : " هذا هو المدرج الذي سوف تدرس به ..لن يكون لك عمل الا أن تأتي الى هنا كل يوم لحضور المحاضرات "تأملت المدرج بعين تكتشف الجديد وتتطلع للاّتي وتمتلئ حماسا ورغبة في التفوق .. هذا مع التهيب لضخامة المكان-بالنسبة لطالب لا يعرف الا الفصول المدرسية-علّق سامح: " ربما ترى المدرج كبيرا ، ستشعر بعد ذلك أنه كعلبة السردين"..كنت محقا هذه المرة يا سامح . ذهبنا الى مكتبة التصوير قال:" لن يكون لك عمل الا أن تحضر المحاضرة ثم تصور الأوراق من هنا" ..لماذا يكرر جملة " لن يكون لك عمل"؟ كأنه كان يعرف أنني حقا سوف أشعر أنني بلا عمل ..لم يكن غريبا اذن أن أول يوم دراسي-السبت- لم يكن فيه عمل ..عندما ذهبت وجدته يوم الاجازة الأسبوعية لكنني لم أنتبه للاشارة وقتها .
(أجزاء مما كتبت هنا من قبل)
طال انتظاري للربيع يرجع
والجو يدفا والزهور تطلع
عاد الربيع عارم عرمرم شباب
إيه اللي خلاني ابتديت أفزع
عجبي !
من رباعيات صلاح جاهين
أقف مع جمع كبير من زملائي . نتبادل التهنئة بالخلاص ونلتقط بعض الصور . أخيرا أتى اليوم الذي أولي فيه ظهري للكلية دون رجعة . آخر يوم كان امتحانا لأمراض النساء والولادة . هل هي الإشارات مرة أخرى ؟ هل يعني بأنني سأولد من جديد في هذه اللحظة ؟ تصورته - قبل أن يأتي - يوما مشحونا بانفجار بعد كبت طويل . لكنه لم يكن كذلك . أغلب شعوري هو عدم التصديق ، وعدم التوازن . لذلك ربما تأتيني هذه المنامات الغريبة وأصحو مرهقا . قدمي على الشاطئ ولازلت أشعر أنني على حافة الموج . الشيء الوحيد الذي أشتهيه بوضوح الآن هو صرخة . صرخة عالية طويلة تشق الأفق . صرخة يسود بعدها الصمت وتبدأ كل الموجودات من البداية الأولى كأن لم يكن قبلها شيء . وهل في ذلك من عجب ؟ أليس أول ما يفعله الوليد هو الصراخ ؟
٢٦/١/٢٠١٠
فارق التوقيت

هل أدهشك الخبر الذي وصفته المذيعة بالطريف ؟ لكنني أضيف لك الآن أن فروق درجات الحرارة قد يصل إلى عشر درجات كاملة ، ولذلك فإني أنصحك - من باب الأخوة - بأن تتمهل قبل اختيار الدور الذي تسكنه ، وأن تقف مع نفسك وتسألها بصدق : أي فصول السنة تفضل ؟
هل أنت أكثر دهشة الآن ؟ أنا أيضا كنت مثلك وأنا أشاهد الاحتفال بافتتاح البرج ، والألعاب النارية التي انطلقت من جوانبه فيما يشبه أفلام (هوليود) . الذين زاروا الإمارات انبهروا . يقولون إن (دبي) قطعة من أوربا في رقيها ونظافتها وأناقة مبانيها . (دبي) تفعل كل ما في وسعها لتصبح في قلب العالم – أعني الغرب المتقدم - لا تكتفي بجذب استثماراته ، بل تحيط نفسها دائما بالأضواء لتجذب عيونه وتأتي به عندها : أضخم أبراج العالم ، الجزيرة التي تنشأ على شكل نخلة نائمة ، ثم الكثير من الصخب والاحتفالات والمهرجانات التي لا تتوقف .
أنظر إلى الإمارات وأندهش ، لكنني أظن أن هذا وحده لا يصنع الحضارة ، فلا يمكن أن تصنع دولة كبرى إلا بفكرة البناء الراسخ الأركان ، يقوم على قواعد علمية ، وقواعد صناعية ، وقواعد بناء الدولة على أسس ديمقراطية تساوي بين الأفراد وتحفظ حرياتهم ، ولا أعرف إن كانت الإمارات تسير في هذا الطريق أم لا .
أفكر الآن في أهرام الجيزة ، أتحقق من فكرة بعد الرؤية ، والبناء الراسخ ، والقواعد التي ترمي بجذورها في أعماق الأرض ، لتبقى شاهدة على منجزات حضارة القدماء آلافا من السنوات .
فلا يكفي أن يشتري إماراتيون أندية عالمية دون أن تتطور الرياضة في الإمارات ، ولا أن تقيم مهرجانات سينمائية صاخبة ولا تشارك فيها بأفلام ، أو أن تدعو مشاهير لاعبي التنس ، ومحترفي سباقات السيارات ولا تجد إماراتيا واحدا بين المشاركين .
ما يبدو لي ، أن الإمارات لديها الرغبة في أن تفعل شيئا ، وهي نقطة البداية ، ولديها الأموال التي يمكن أن تساعدها على فعله ، والسنوات القادمة ستكشف عما إن كانت ستستغل هذه الفرصة أم تضيعها .
تمنيت بعد هذا الافتتاح أن أرى صورة لأهرام الجيزة في هذه الليلة ، لكن كم كانت الشاشة قاسية ، وهي بعد ليلة واحدة فقط تنقل دفتها إلى الإسكندرية ، وتأتي بمواطنين مصريين ، يصرخون ويستغيثون ، ويتمسكون كالغرقى بجدران البناية التي لا يجدون مأوى غيرها ، أمام البلدوزرات التي أتت لهدمها ، بعد أن رأت المحافظة أن البناية ذات الاثنين وعشرين طابقا صارت آيلة للسقوط في أي وقت .
أفكر الآن في البحر الأحمر ، يبدو كالبرزخ الذي يفصل بين عالمين مختلفين تماما ، أدرك أيضا أن فارق التوقيت أصبح كبيرا جدا .
٣١/١٢/٢٠٠٩
يوميات (1) الامتحان..وألغاز الذاكرة
هل جلست العصر مثلي
بين جفنات العنب ؟
والعناقيد تدلـــــــــــت
كثريات الذهب
شعر..جبران خليل جبران
لا أنا جلست بين جفنات العنب ولا رأيت العناقيد . بل كن وسط زحام الطريق ، لكن صوت (فيروز) كان يغنيها فإذا بها تمس ذكرى غير واضحة المعالم . ذاكرتي غريبة اليوم . م أحلامي في الحياة أن أفهم الذاكرة : لماذا نتذكر أشياء معينة في أوقات لا يبدو بينها وبين الذكرى أي ارتباط ؟ يوم امتحان هو . يوقظني المنبه فأشعر أنني لم أنم إلا لحظة . يحرمني من دفء الفراش الذي يبدو في هذا الوقت المبكر أمتع ما في الدنيا . أمكث دقائق ألعن فيها كل شيء وأصبر نفسي بأن الوصول يقترب . يستقبلني الصباح بالهواء البارد . الكلية .. الزحام.. الثرثرة ..أقف لدى الباب في يدي كتاب أحاول أن أستوعب منه أي شيء قبل دخول اللجنة . تبدأ الذاكرة أفعالها الغريبة : أتذكر في هذه اللحظة قصة ليوسف السباعي ، فيها يلتقي البطل مع (جحا) . يقول أحدهما للآخر : إن الناس لو وقفت وفكرت قليلا قبل أن تفعل أي أمر لتغيرت الدنيا كلها .
لماذا أتذكر ذلك الآن ؟ لم أقرأ القصة إلا منذ سنوات ، ولا هم لديّ سوى الامتحان أفكر فيه . يمضي الامتحان ويمضي اليوم كسواه . ثم ما أن تنطق (فيروز) بالكلمات حتى أجد الذاكرة تتحفز . لا أتذكر شيئا بعينه ، لكنه إحساس أو شيء كومضة سريعة خفية .
الأغرب أنني حين حاولت أن أتذكر أسئلة الامتحان لأراجع ما أجبت به لم أجد في ذاكرتي من الأسئلة التي مرت عليها ساعات - شيئا يذكر . الآن ..وبعد أن انتهى اليوم كله ، ورحت في نوم عميق وأحلام متضاربة ، أستيقظ في حال غير الحال . أكتب لعل هذه الكلمات تحتفظ بما سوف يسقط من الذاكرة ويطويه النسيان .
١٢/١١/٢٠٠٩
في يوم وليلة
وكثير من السؤال اشتياق ٌ
وكثير من رده ..تعليل ُ
شعر..أبو الطيب المتنبي
من وحي 14 نوفمبر..
ابتسمت بسعادة وأنا أقترب من صالون الحلاقة ، حين سمعت مطلع الأغنية الجميل يأتـي من المذياع داخله . ألقيت التحية وجلست بسرعة أستمع إليها . وكنت قد سمعتها لأول مرة منذ وقت قريب بالمصادفة ، ولم أعرف حتى من تغنيها ، لكن موسيقاها العذبة لم تفارق أذني فعرفتها من أول وهلة . غير أن فرحتي لم تدم طويلا ، إذ بدأت ثرثرة الحلاق مع الزبون الذي يمسك برأسه ، مع صوت المقص الرتيب المزعج يتعاونان على تغطية صوت المذياع . والحق أن ثرثرة الحلاق أمر قد اعتدته منه ، لكن المختلف هذه المرة كان الحماس الذي يتكلم به ، والذي يشاركه إياه الزبون ، حتى أن يده كانت تتوقف عن العمل وتضع المقص جانبا لتشير هنا وهناك وتساعده في التعبير والشرح . ولم أكن بحاجة إلى توضيح ما أن سمعت كلمة (الجزائر) حتى أدرك أنهما كانا يتحدثان عن المباراة المرتقبة التي تجمع منتخبها بمنتخبنا ، إذ أصبحت المباراة حديث الكل في هذه الأيام .
قال الحلاق :
-هل شاهدت ما تعرضه البرامج التلفزيونية ؟ كل يوم يسبوننا ويتوعدون . كأن بلدهم كلها على أهبة الاستعداد للحرب ضدنا .
* إنهم يكرهون مصر . لو أن المباراة ضد فريق آخر لما فعلوا شيئا من هذا . لكنهم لا يطيقون أن تهزمهم مصر . مع أننا طالما ساعدناهم أيام ثورتهم وفعلنا ما لم يفعله لهم أحد .
-هكذا العرب كلهم . نفني أنفسنا من أجلهم ونحل أزماتهم ، ثم لا نجد إلا الحقد ونكران الجميل .
كنت أهتم بالمباراة كالجميع ، والحق أنني لا أتابع الكرة إلا لماما ، لكن المباراة حاسمة والفوز يدفع بنا إلى آفاق بعيدة . على أنني كنت ضائقا من الثرثرة التي أعاقتني عن متابعة الأغنية ، وبدأت أرهف السمع :
" نسيت الدنيا وجريت عليه..
سبقني هو وفتح إيديه "
ثم انهمك الاثنان في تحديد أسلوب اللعب الأمثل للمواجهة ، واللاعبين الذين من المتوقع أن يحرزوا أهدافا .
قال الزبون :
-يقولون إن لديهم أكثر من لاعب مصاب .
* وهل تصدق ذلك يا أستاذ ؟ ما هي إلا محاولة ساذجة لخداعنا . أقطع ذراعي إن لم تجد هؤلاء اللاعبين بكامل لياقتهم في الملعب .
خطفت أذني النقلة الموسيقية ..
" وأنا لما صحيت على حبك
وشفت الدنيا من عندك
أتمنى لو كل العشاق ..
يحبوا زي أنا ما بحبك "
*ما رأيك أنت يا أستاذ ؟
قالها الحلاق ولم أسمع ردا . فالتفت لأجده ينظر نحوي موجها لي الحديث . قلت وأنا لا أعرف فيم يسألني :
-نعم ..صحيح ..
أضفت محاولا الخروج من المأزق :
-بإذن الله تسير الأمور بخير ونفوز .
قلتها والتفت ثلاثتنا نحو وقع الأقدام . كان هناك ضابط شرطة يدخل إلى الصالون . ما أن رآه الحلاق حتى هرول إليه محييا ومصافحا :
*أهلا يا سعادة الباشا . كيف حال سعادتك ؟
لكن الضابط لم يمد يده ، وأشار إلى الشعر الذي يلوث يد الحلاق ، وقال :
-سأمر عليك ليلا لقص شعري . لا تغلق قبل أن آتي .
رأيت الوجوم يكسو وجه الحلاق للحظة قبل أن يرد بشكل آلي :
*تحت أمرك .
ثم استدار الضابط خارجا ، لكنه توقف وقال وهو يشير إلى المناشف التي كان الحلاق يعلقها على حامل أمام الصالون :
-لا تضع أشياءك خارج المحل ..فهو إشغال للرصيف .
عاد الحلاق بعدها إلى العمل صامتا ، ثم قال شاكيا للزبون :
*هذا الرجل والجماعة التي تعمل معه يحلقون عندي منذ سنة ، ووالله لم أنل منهم قرشا واحدا .
هز الزبون رأسه أسفا وقال :
-ولماذا لا تشكوه ؟
رد الحلاق :
*أشكوه لمن يا سيدي ؟ الشكوى لله .
ولم يمر وقت طويل حتى عادا للحديث الأول ، وعدت أنا للأغنية كلما استطعت . قال الحلاق بحماس :
*يجب أن ندخل الرعب في قلوبهم منذ وصولهم إلى المطار وحتى نهاية المباراة .يجب ألا يروا إلا أعلام مصر ولا يسمعوا إلا الهتافات .
ثم أضاف بلهجة منغمة :
*آه كم أتطلع إلى هذا اليوم ! حين ندخل الحسرة إلى قلوبهم ونهزمهم هزيمة لا يمكن نسيانها .
لحظتها تأوه الزبون ، إذ كان موسيّ الحلاق قد جرح رقبته . ورغم أن الحلاق اعتذر أكثر من مرة إلا أن الزبون ثار ونعته بالعمى والغباء ، ثم قام ساخطا وهو يتحسس جرحه وغادر المكان . وبقي الحلاق محمر الوجه للحظات ، حتى قمت وأخذت دوري على الكرسي .
" ومين يصدق يجرى ده كله
ونعيش سوا..
نعيش سوا العمر كله
في يوم وليلة "
ولم أكد أفرح بانتهاء الضوضاء حتى وجدت الأغنية انتهت ، ثم أنصتّ للمذيع بعدها ، وعرفت أخيرا أن صاحبة الأغنية هي (وردة الجزائرية) .
١٠/١١/٢٠٠٩
ما بعد النهاية
وأسدل الستارْ
رجعت نحو غرفتي
أبدل الثيابْ
وأستعدّ للرحيل ْ
وجدت باب غرفتي منغلقا
من أغلقه – الباب ؟
طرقته منزعجا
ركلته مرتبكا
صرختُ ..لا جواب ْ
من أغلق الأبوابْ ؟
قصدت باب المسرح الكبيرِ
كان مغلقا..
صرخت في عذاب ْ
من أغلق الأبواب ْ ؟
وجاءني صوت ثقيل ْ
محاصرا كأنه جحافل التتار ْ
وقاتلا كأنه انفجارْ
" لم يحن الرحيل ْ"
فقلت : بل حان ولم يبق سوايَ
رد في إصرارْ
"فلتكمل التمثيلْ"
-الآن َ ؟
لا جمهور في المسرحِ ِ
لا أحد ٌ يشاهد ما أمثله
وقد نزل الستار ْ
" فلتكمل التمثيل ْ "
-المسرحية انتهت ْ
لم تبق أحداث لكي تجري ولا أدوار ْ
ماذا أقول ولم يعد عندي كلام أو حوار ْ
وبقية الأبطال ما عادوا هنا
لا أستطيع بدونهم تمثيل دوري
أي دور ٍ في مشاهد َ من فراغ ٍ
أي معنى لانتظارْ ؟
لا شيء إلا أن تؤلف لي بنفسك َ
ما أمثلهُ
وترسم لي طريقا
سوف أسلكهُ
وما عندي خيارْ
أصرخ ْ..
لا يأتيني الصوت ْ
أصرخْ ..
في جنبات الصمت ْ
أصرخُ ..لاجواب ْ
من أغلق الأبواب ْ ؟!
أكتوبر 2007