يوم جديد
الدم قبل النوم
نلبسه رداء
والدم صار ماء
يراق كل يوم !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الموت في الفراش
" في الحياة العادية حين يتشابك الناس ويتضاربون ليس هذا بضرب ، فاحساس المضروب أن باستطاعته أن يرد الضربة يخفف كثيرا من وقع ما يتلقاه ، والألم الذي ينتج عنها يتبخر في الحال ويستحيل الى حافز يدفع صاحبه للهجوم والانقضاض . بالاختصار أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرا أن ترده ..أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه ولا حرية لك ولا حق ولا قدرة لديك على رده..هناك تجرب الاحساس الحقيقي بالضرب ، بألم الضرب ، لا مجرد الألم الموضعي للضربة أو الألم العام الناتج عنها ، انما بألم آخر مصاحب ..أبشع..أقوى ، ألم الاهانة . حين تحس أن كل ضربة توجه الى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى الى كيانك كله ، الى احساسك وكرامتك كانسان . "
جزء من رواية (العسكري الأسود ) لـ (د.يوسف ادريس) يقفز الى ذاكرتي في هذه الأيام .
١٦/١/٢٠٠٩
١٢/١/٢٠٠٩
أزمتهم وأزمتنا
يوم جديد
يا تلاميذ غزةٍ لا تبالوا
باذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا..اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
ﺇننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا
ويتامى لا يملكون عيونا
شعر..نزار قباني
قصيدة..الغاضبون
من بين كل مشاهد القتل والخراب المتكررة التي تأتينا كل لحظة من غزة ، هل هناك جديد سوى أعداد الشهداء والمصابين التي تتزايد – بشكل مفزع- كل يوم ؟
ربما..هذه المرة لم تعقد قمة عربية يجتمع فيها القادة العرب ، ليمطروا الشاشات والصحف بعبارات الشجب واﻹدانة والاستنكار والرفض (من حسن حظهم أن اللغة العربية لغة ثرية جدا وبها كثير من المفردات لنفس المعنى) ، كانوا أكثر صراحة مع أنفسهم هذه المرة ، واعترفوا – ضمنا – بعدم جدوى هذه القمم . ربما الجديد أيضا ، هو كم الهجوم الذي يصب على المقاوم (حماس) وعلى حزب الله وﺇيران ، بما يكاد يوازي أو يزيد على ما يوجه ﻹسرائيل ..وهذه المحاولات (المريبة) لتصوير هؤلاء على أنهم أشد خطرا من ﺇسرائيل .
لكن أمام كل ما يجري في غزة ماذا فعلنا ؟
أتحدث هنا عن مصر ، فهي التي تعنيني ، ولا شأن لي بالدول العربية الأخرى ، لا بموقفها من العدوان ، ولا بالاتهامات التي كالتها لمصر ، وكما كتب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) من قبل فان تصوير القضية الفلسطينية كان خاطئا منذ بداية الأزمة ، فهي ﺇن كانت بالنسبة لدول عربية أخرى بلدا شقيقا في العروبة واﻹسلام ، فهي بالنسبة لمصر بلدة جوار تفصلنا عنها حدود ، وقضيتها هي قضية (أمن قومي مصري) ، وﺇذن فنحن منغمسون في القضية شئنا أم أبينا . والقتلى الفلسطينيين ليسوا مجرد شهداء في بقعة من الدنيا نترحم عليهم ، ونحزن لما يجري فيهم ، ثم نواصل حياتنا العادية ، بل ﺇن دماءهم تتناثر علينا ، ومصابيهم يعالجون في مستشفياتنا (ليس بدافع الأخوة ولكن لأنها الأقرب مكانا ) ،وأظن الضابط المصري الذي قتل على الحدود ليس ببعيد ، ولا الضابطين والطفلين الذين أصابتهم شظايا صواريخ ﺇسرائيلية في رفح المصرية . وبالتالي فتخاذل النظام المصري في فتح المعبر ، وفي القيام بأي ضغط سياسي على ﺇسرائيل لا يؤثر فقط على ﺇخواننا في فلسطين ، بل ينسحب علينا في مصر ، ومن المؤسف أن دولة من خارج المنطقة ، غير عربية وغير مسلمة ، كفنزويلا تقوم بطرد سفير ﺇسرائيل من أراضيها كاحتجاج (ﺇنساني) ، ولا يكون التحرك المصري على نفس المستوى ،والأسوأ أن يصدر في نفس الوقت حكم قضائي ثان بعدم شرعية تصدير الغازﻹسرائيل ، ويضرب به عرض الحائط .
باختصار..
*النظام المصري قد لا يسعده ما يجري في غزة ، لكنه غير مستعد للتضحية بالصداقة اﻹسرائيلية – الأمريكية وخسارة صفقات مثل تصدير الغاز من أجل ﺇنقاذ الموقف .
*النظام في الوقت نفسه ، سيرتاح لسقوط حماس ، ويستغل الفرصة لشن الهجوم عليها وعلى التيار اﻹسلامي عموما ، ومنه اﻹخوان في مصر ، وهو يقدم نفسه للعالم على أنه المنقذ من خطر هذا التيار، وهو ولو كان لن يشارك في الاعتداء عليها ، لكن لن ينهض بكل قوته لتخليصها .
*الحكومة المصرية لا تلقي بالا بأي ضغط شعبي ، أو بالرأي العام ، ﺇضافة ﺇلى أنه ضغط غير منظم وعفوي ومؤقت ، سوف تتعامل معه ﺇما بالتجاهل ، أو بالتشديد الأمني واعتقال المتظاهرين ، وبعض تصريحات التهدئة (وتبدو المفارقة بين قادة ﺇسرائيل الذين يروجون للعدوان على أنه تأمين لمواطنيهم لكسب أصواتهم في الانتخابات القريبة بينما لا تمثل أصوات المواطنين لدينا لا في الانتخابات ولا في المظاهرات قيمة تذكر ! )
*كل ما هو متوقع من الدبلوماسية المصرية هو اتفاقات (ودية) مع الجانب اﻹسرائيلي من أجل (تخفيف) العدوان أو (السماح) بدخول مساعدات أو اﻹسراع بانهاء العمليات ولن تستجيب لها ﺇسرائيل ﺇلا بعد تحقيق أهدافها وفرضها على الأرض .
*لا يبدو واضحا لدى كثيرين أن الدولة الصهيونية التي تزداد قوة وغطرسة وتنكيلا بأعدائها ، ذات الميول التوسعية ، لا توجد في المريخ ولكن على حدودنا !
يا تلاميذ غزةٍ لا تبالوا
باذاعاتنا ولا تسمعونا
اضربوا..اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع والطرح
فخوضوا حروبكم واتركونا
ﺇننا الهاربون من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم واشنقونا
نحن موتى لا يملكون ضريحا
ويتامى لا يملكون عيونا
شعر..نزار قباني
قصيدة..الغاضبون
من بين كل مشاهد القتل والخراب المتكررة التي تأتينا كل لحظة من غزة ، هل هناك جديد سوى أعداد الشهداء والمصابين التي تتزايد – بشكل مفزع- كل يوم ؟
ربما..هذه المرة لم تعقد قمة عربية يجتمع فيها القادة العرب ، ليمطروا الشاشات والصحف بعبارات الشجب واﻹدانة والاستنكار والرفض (من حسن حظهم أن اللغة العربية لغة ثرية جدا وبها كثير من المفردات لنفس المعنى) ، كانوا أكثر صراحة مع أنفسهم هذه المرة ، واعترفوا – ضمنا – بعدم جدوى هذه القمم . ربما الجديد أيضا ، هو كم الهجوم الذي يصب على المقاوم (حماس) وعلى حزب الله وﺇيران ، بما يكاد يوازي أو يزيد على ما يوجه ﻹسرائيل ..وهذه المحاولات (المريبة) لتصوير هؤلاء على أنهم أشد خطرا من ﺇسرائيل .
لكن أمام كل ما يجري في غزة ماذا فعلنا ؟
أتحدث هنا عن مصر ، فهي التي تعنيني ، ولا شأن لي بالدول العربية الأخرى ، لا بموقفها من العدوان ، ولا بالاتهامات التي كالتها لمصر ، وكما كتب الأستاذ (محمد حسنين هيكل) من قبل فان تصوير القضية الفلسطينية كان خاطئا منذ بداية الأزمة ، فهي ﺇن كانت بالنسبة لدول عربية أخرى بلدا شقيقا في العروبة واﻹسلام ، فهي بالنسبة لمصر بلدة جوار تفصلنا عنها حدود ، وقضيتها هي قضية (أمن قومي مصري) ، وﺇذن فنحن منغمسون في القضية شئنا أم أبينا . والقتلى الفلسطينيين ليسوا مجرد شهداء في بقعة من الدنيا نترحم عليهم ، ونحزن لما يجري فيهم ، ثم نواصل حياتنا العادية ، بل ﺇن دماءهم تتناثر علينا ، ومصابيهم يعالجون في مستشفياتنا (ليس بدافع الأخوة ولكن لأنها الأقرب مكانا ) ،وأظن الضابط المصري الذي قتل على الحدود ليس ببعيد ، ولا الضابطين والطفلين الذين أصابتهم شظايا صواريخ ﺇسرائيلية في رفح المصرية . وبالتالي فتخاذل النظام المصري في فتح المعبر ، وفي القيام بأي ضغط سياسي على ﺇسرائيل لا يؤثر فقط على ﺇخواننا في فلسطين ، بل ينسحب علينا في مصر ، ومن المؤسف أن دولة من خارج المنطقة ، غير عربية وغير مسلمة ، كفنزويلا تقوم بطرد سفير ﺇسرائيل من أراضيها كاحتجاج (ﺇنساني) ، ولا يكون التحرك المصري على نفس المستوى ،والأسوأ أن يصدر في نفس الوقت حكم قضائي ثان بعدم شرعية تصدير الغازﻹسرائيل ، ويضرب به عرض الحائط .
باختصار..
*النظام المصري قد لا يسعده ما يجري في غزة ، لكنه غير مستعد للتضحية بالصداقة اﻹسرائيلية – الأمريكية وخسارة صفقات مثل تصدير الغاز من أجل ﺇنقاذ الموقف .
*النظام في الوقت نفسه ، سيرتاح لسقوط حماس ، ويستغل الفرصة لشن الهجوم عليها وعلى التيار اﻹسلامي عموما ، ومنه اﻹخوان في مصر ، وهو يقدم نفسه للعالم على أنه المنقذ من خطر هذا التيار، وهو ولو كان لن يشارك في الاعتداء عليها ، لكن لن ينهض بكل قوته لتخليصها .
*الحكومة المصرية لا تلقي بالا بأي ضغط شعبي ، أو بالرأي العام ، ﺇضافة ﺇلى أنه ضغط غير منظم وعفوي ومؤقت ، سوف تتعامل معه ﺇما بالتجاهل ، أو بالتشديد الأمني واعتقال المتظاهرين ، وبعض تصريحات التهدئة (وتبدو المفارقة بين قادة ﺇسرائيل الذين يروجون للعدوان على أنه تأمين لمواطنيهم لكسب أصواتهم في الانتخابات القريبة بينما لا تمثل أصوات المواطنين لدينا لا في الانتخابات ولا في المظاهرات قيمة تذكر ! )
*كل ما هو متوقع من الدبلوماسية المصرية هو اتفاقات (ودية) مع الجانب اﻹسرائيلي من أجل (تخفيف) العدوان أو (السماح) بدخول مساعدات أو اﻹسراع بانهاء العمليات ولن تستجيب لها ﺇسرائيل ﺇلا بعد تحقيق أهدافها وفرضها على الأرض .
*لا يبدو واضحا لدى كثيرين أن الدولة الصهيونية التي تزداد قوة وغطرسة وتنكيلا بأعدائها ، ذات الميول التوسعية ، لا توجد في المريخ ولكن على حدودنا !
١٦/١٢/٢٠٠٨
زﹶبد
يوم جديد
شاك الى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
شعر..خليل مطران
قصيدة..المساء
" هكذا أصبح الوضع جيدا "
تمتم بها لنفسه بعد أن أحكم تثبيت الكرسي في الرمال ، وعدّل من وضع المظلة بحيث أصبح وجهه في مأمن من وهج الشمس ، وجلس مسترخيا وأخذ ينظر ﺇلى البحر الواسع أمامه ..
" ها أنا أفعل ما طلبوه فهل سينفع بشيء ؟ "
لم تكن لديه رغبة في السفر ، فلماذا يقطع كل هذه المسافة ليجلس على الشاطئ وقد انتهى الصيف وليس معه أحد من أصحابه ؟ ولكنه لم يجد شيئا ﺁخر ليفعله ، فاستسلم لرغبة والده الذي ألح عليه أن يسافر ويخلو بنفسه أمام البحر..
" أتظن أن هذا الخضم الواسع لن يقدر على حمل همومك البسيطة هذه ؟ "
هكذا قال له أبوه فهل قالها عن قناعة أم أنه يغريه بأي طريق للخروج مما هو فيه وحسب؟
قال لنفسه : لن أخسر شيئا من التجربة .
***
الجو الخريفي اللطيف ، والشاطئ الخالي ﺇلا من قليلين يتناثرون هنا وهناك ، صنعا حالة من الهدوء لم يكن يفضلها عادة لكنها قد تكون الأنسب في هذه الظروف ، فقد أصابته حالة من الاكتئاب بعد حادث السيارة الذي تعرض له ، ورغم أنه لم يصب بسوء ، وخرج على قدميه سالما ، ﺇلا أن التلف الكبير الذي تعرضت له السيارة لم يترك له سبيلا سوى أن يبيعها بثمن بخس ..يعتريه الضيق كلما تذكر لحظة خروج السيارة عن سيطرته ، وﺇحساسه أنها تقفز به في الهواء ثم وهو يراها كتلة من الحديد والزجاج المهشم ..
قال له أبوه ﺇن المهم هو سلامته ، ولم يعنفه – كعادته – على تهوره وقيادته السريعة ..هكذا قال هو أيضا لنفسه ولكل من سأله عن أمر الحادث ، لكنه لم يكن في داخله مقتنعا ، ظل شيء ما يؤرقه ، وبدأ يعزف عما حوله ومن حوله ، ويتحول ﺇلى العزلة وﺇطالة التفكير ..
بقي على هذا لفترة ، ثم عاد للخروج – مضطرا – مع بداية العام الدراسي ليذهب ﺇلى الكلية ، ولم يغب عن زملائه أنه ليس كعهدهم به ، حتى انتهى الأسبوع الأول وأتت نصيحة والده التي أيدها صديقه ( عادل ) ..ابتسم وهو يتذكر كلمات (عادل) حين قال له بحماس :
" ﺇنها فرصة لترى نفسك في مرﺁة البحر "
كعادته يفلسف كل شيء ، ويقول الكلام الكبير الذي يطالعه في الكتب ، ولم يفت عليه أن يهديه واحدا من كتبه رغم علمه أنه لا يحب القراءة ..
***
لم تختلف أفكاره في جلسته أمام البحر عن الأفكار التي كانت تعاوده في عزلته الأخيرة .. لا يعتقد أن تلف السيارة وحده سبب كل هذا ، فأبوه لم يغضب ، ويمكنه أن يشتري أخرى دون عناء ، لكن هناك دائما شيئا ينغص استمتاعه بوقته ، هناك شيء ناقص يجعله يشعر بالملل والضيق لأتفه الأسباب ..ها هي الأفكار نفسها التي لا تتركه تعود لتجر بعضها بعضا ، ولا يضيف الجلوس هنا سوى مزيد من الملل .
رأى أن يكسر الملل بالاستماع ﺇلى اﻹذاعة عبر المسجل الصغير الذي يحمله ، وجد أغنية يحبها وبدأ يهتز برفق مع ﺇيقاعها السريع ، ولكنها سرعان ما انتهت وحلت محلها مقطوعة موسيقية هادئة ..
" الكل يتـﺂمر عليّ اليوم ! "
لم يكن يحب هذا النوع من الموسيقا ، بل كان دوما يندهش من هؤلاء الذين يحضرون حفلاته ، ويجلسون ثابتين في مقاعدهم لسماع هذه اﻹيقاعات الرتيبة التي لا يصاحبها غناء ..ولم يطل صبره أكثر من دقيقتين حتى تحول ﺇلى محطة أخرى ، ثم ما لبث أن قام ليوقف كل هذا ويلبي نداء الجوع ..
***
مع العودة للتفكير عاد السؤال نفسه ﺇلى عقله :
" لماذا لا أشعر بسعادة حقيقية ؟ "
مع أن من أسبابها ما يتوافر لديه ويحسده عليه كثيرون في مثل عمره .. أب ميسور الحال لا يبخل على ابنه الوحيد الذي فقد أمه طفلا – بشيء ، ولا يضايقه بشدة في المعاملة أو بأي قيود على حريته ، ودراسة لا يحبها كثيرا لكنه ليس ناقما عليها ..أبوه يحبه لا شك ، وهو أيضا يبادله الحب ، ربما لا يتبادلان الحديث طويلا فهو يقضي أغلب الوقت مع أصحابه أو في دراسته ، وأبوه أيضا منهمك في عمله الذي لا يعرف هو عنه الشيء الكثير ، لا يقضيان أوقات ممتدة معا لكن الأمور تسير طيبة ، أو كانت كذلك ..
زفر وأخرج من حقيبته الكتاب الذي أعطاه ﺇياه (عادل) ..لم يكن يجد متعة في القراءة ، فأية متعة في ﺇجهاد عينيه ورأسه في كلام منثور على أوراق ؟ جعل يقلب في صفحات الكتاب . يقول (عادل) ﺇنه كتاب صوفي ، ماله بهؤلاء الذين يدورون حول أنفسهم وينشدون كلامهم الغريب ؟
تركه وراح يتذكر آخر مرة ذهب فيها ﺇلى البحر، كانت قبل شهرين برفقة أصحابه ، وقضوا أياما يسبحون و يلهون على الشاطئ ويتنزهون في كل مكان ، لكنه لا يذكر من هذه الأيام - على قربها - ﺇلا القليل .. لا يذكر ﺇلا بعضا من الصور الباهتة المتباعدة ، بينما رائحة البحر تبقى .
" لماذا لا تنسى هذه الرائحة ؟ "
اندهش .
***
مع الغروب لم يعد هناك مفر من التأمل ، خاصة مع هذا الصفاء الذي يغلف السماء ، وحالة الهدوء المطلق التي لا يكسرها سوى دفقات الأمواج التي تقبل وتبتعد في أصوات منتظمة متناغمة . بدا له الماء أكثر نقاء ، ورائحة البحر كأنها تتسلل داخل نفسه ، لماذا يحمل هدير الأمواج هذا الصوت المميز ؟ ربما لا يكون جميلا لكنه مميز..خاص..لا يمكن أن يسمع من مصدر ﺁخر .,كأنه صوت شيء خفي لا يبصر ، شيء في باطن هذه الزرقة وتحت هذا الزبد الأبيض ، يخفيه هذا البحر الذي يخفي في أعماقه الكثير ..يعود السؤال :
" لماذا لا تكتمل سعادتي أبدا ؟ "
فكر أن الله قد يكون غير راض عنه . يصلي أحيانا لكن كثيرا ما يتكاسل ..ربما يحتاج أن يكون أكثر مواظبة على العبادة ، فلعل هذا يبعده عن الضيق والهموم . راقت له الفكرة ، تبدو أفضل من الحيرة التي يدور فيها منذ بداية الأزمة .. ربما لو اجتهد أكثر في الدراسة فسوف ينسيه انهماكه كل شيء..لم لا ؟
راح يعب من النسيم الرائق بهدوء وعمق ، ويزيد من تطلعه ﺇلى البحر ..كأنه يستنطقه..لاحت في ذهنه صورة معلقة في البيت لأمه وهي تحمله رضيعا..هل يفتقدها ؟ لا يذكر عنها الكثير فقد ماتت وهو لا يزال في طفولته المبكرة ، لكن ربما لو كانت موجودة لأخرجته من حيرته ، أو لأعطى وجودها روحا مختلفة لكل شيء..
بقي على حالته يفكر، ثم وجد ذهنه قد أرهق فتوقف واكتفى بالتمتع بالنسيم البارد المنعش . فجأة قام متحمسا ، لكنه لم يكن حماسا لصنع تغيير جذري في حياته ، بل لينظر عن قرب ﺇلى الحسناء التي مرت من أمامه في ثياب البحر..
شاك الى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
شعر..خليل مطران
قصيدة..المساء
" هكذا أصبح الوضع جيدا "
تمتم بها لنفسه بعد أن أحكم تثبيت الكرسي في الرمال ، وعدّل من وضع المظلة بحيث أصبح وجهه في مأمن من وهج الشمس ، وجلس مسترخيا وأخذ ينظر ﺇلى البحر الواسع أمامه ..
" ها أنا أفعل ما طلبوه فهل سينفع بشيء ؟ "
لم تكن لديه رغبة في السفر ، فلماذا يقطع كل هذه المسافة ليجلس على الشاطئ وقد انتهى الصيف وليس معه أحد من أصحابه ؟ ولكنه لم يجد شيئا ﺁخر ليفعله ، فاستسلم لرغبة والده الذي ألح عليه أن يسافر ويخلو بنفسه أمام البحر..
" أتظن أن هذا الخضم الواسع لن يقدر على حمل همومك البسيطة هذه ؟ "
هكذا قال له أبوه فهل قالها عن قناعة أم أنه يغريه بأي طريق للخروج مما هو فيه وحسب؟
قال لنفسه : لن أخسر شيئا من التجربة .
***
الجو الخريفي اللطيف ، والشاطئ الخالي ﺇلا من قليلين يتناثرون هنا وهناك ، صنعا حالة من الهدوء لم يكن يفضلها عادة لكنها قد تكون الأنسب في هذه الظروف ، فقد أصابته حالة من الاكتئاب بعد حادث السيارة الذي تعرض له ، ورغم أنه لم يصب بسوء ، وخرج على قدميه سالما ، ﺇلا أن التلف الكبير الذي تعرضت له السيارة لم يترك له سبيلا سوى أن يبيعها بثمن بخس ..يعتريه الضيق كلما تذكر لحظة خروج السيارة عن سيطرته ، وﺇحساسه أنها تقفز به في الهواء ثم وهو يراها كتلة من الحديد والزجاج المهشم ..
قال له أبوه ﺇن المهم هو سلامته ، ولم يعنفه – كعادته – على تهوره وقيادته السريعة ..هكذا قال هو أيضا لنفسه ولكل من سأله عن أمر الحادث ، لكنه لم يكن في داخله مقتنعا ، ظل شيء ما يؤرقه ، وبدأ يعزف عما حوله ومن حوله ، ويتحول ﺇلى العزلة وﺇطالة التفكير ..
بقي على هذا لفترة ، ثم عاد للخروج – مضطرا – مع بداية العام الدراسي ليذهب ﺇلى الكلية ، ولم يغب عن زملائه أنه ليس كعهدهم به ، حتى انتهى الأسبوع الأول وأتت نصيحة والده التي أيدها صديقه ( عادل ) ..ابتسم وهو يتذكر كلمات (عادل) حين قال له بحماس :
" ﺇنها فرصة لترى نفسك في مرﺁة البحر "
كعادته يفلسف كل شيء ، ويقول الكلام الكبير الذي يطالعه في الكتب ، ولم يفت عليه أن يهديه واحدا من كتبه رغم علمه أنه لا يحب القراءة ..
***
لم تختلف أفكاره في جلسته أمام البحر عن الأفكار التي كانت تعاوده في عزلته الأخيرة .. لا يعتقد أن تلف السيارة وحده سبب كل هذا ، فأبوه لم يغضب ، ويمكنه أن يشتري أخرى دون عناء ، لكن هناك دائما شيئا ينغص استمتاعه بوقته ، هناك شيء ناقص يجعله يشعر بالملل والضيق لأتفه الأسباب ..ها هي الأفكار نفسها التي لا تتركه تعود لتجر بعضها بعضا ، ولا يضيف الجلوس هنا سوى مزيد من الملل .
رأى أن يكسر الملل بالاستماع ﺇلى اﻹذاعة عبر المسجل الصغير الذي يحمله ، وجد أغنية يحبها وبدأ يهتز برفق مع ﺇيقاعها السريع ، ولكنها سرعان ما انتهت وحلت محلها مقطوعة موسيقية هادئة ..
" الكل يتـﺂمر عليّ اليوم ! "
لم يكن يحب هذا النوع من الموسيقا ، بل كان دوما يندهش من هؤلاء الذين يحضرون حفلاته ، ويجلسون ثابتين في مقاعدهم لسماع هذه اﻹيقاعات الرتيبة التي لا يصاحبها غناء ..ولم يطل صبره أكثر من دقيقتين حتى تحول ﺇلى محطة أخرى ، ثم ما لبث أن قام ليوقف كل هذا ويلبي نداء الجوع ..
***
مع العودة للتفكير عاد السؤال نفسه ﺇلى عقله :
" لماذا لا أشعر بسعادة حقيقية ؟ "
مع أن من أسبابها ما يتوافر لديه ويحسده عليه كثيرون في مثل عمره .. أب ميسور الحال لا يبخل على ابنه الوحيد الذي فقد أمه طفلا – بشيء ، ولا يضايقه بشدة في المعاملة أو بأي قيود على حريته ، ودراسة لا يحبها كثيرا لكنه ليس ناقما عليها ..أبوه يحبه لا شك ، وهو أيضا يبادله الحب ، ربما لا يتبادلان الحديث طويلا فهو يقضي أغلب الوقت مع أصحابه أو في دراسته ، وأبوه أيضا منهمك في عمله الذي لا يعرف هو عنه الشيء الكثير ، لا يقضيان أوقات ممتدة معا لكن الأمور تسير طيبة ، أو كانت كذلك ..
زفر وأخرج من حقيبته الكتاب الذي أعطاه ﺇياه (عادل) ..لم يكن يجد متعة في القراءة ، فأية متعة في ﺇجهاد عينيه ورأسه في كلام منثور على أوراق ؟ جعل يقلب في صفحات الكتاب . يقول (عادل) ﺇنه كتاب صوفي ، ماله بهؤلاء الذين يدورون حول أنفسهم وينشدون كلامهم الغريب ؟
تركه وراح يتذكر آخر مرة ذهب فيها ﺇلى البحر، كانت قبل شهرين برفقة أصحابه ، وقضوا أياما يسبحون و يلهون على الشاطئ ويتنزهون في كل مكان ، لكنه لا يذكر من هذه الأيام - على قربها - ﺇلا القليل .. لا يذكر ﺇلا بعضا من الصور الباهتة المتباعدة ، بينما رائحة البحر تبقى .
" لماذا لا تنسى هذه الرائحة ؟ "
اندهش .
***
مع الغروب لم يعد هناك مفر من التأمل ، خاصة مع هذا الصفاء الذي يغلف السماء ، وحالة الهدوء المطلق التي لا يكسرها سوى دفقات الأمواج التي تقبل وتبتعد في أصوات منتظمة متناغمة . بدا له الماء أكثر نقاء ، ورائحة البحر كأنها تتسلل داخل نفسه ، لماذا يحمل هدير الأمواج هذا الصوت المميز ؟ ربما لا يكون جميلا لكنه مميز..خاص..لا يمكن أن يسمع من مصدر ﺁخر .,كأنه صوت شيء خفي لا يبصر ، شيء في باطن هذه الزرقة وتحت هذا الزبد الأبيض ، يخفيه هذا البحر الذي يخفي في أعماقه الكثير ..يعود السؤال :
" لماذا لا تكتمل سعادتي أبدا ؟ "
فكر أن الله قد يكون غير راض عنه . يصلي أحيانا لكن كثيرا ما يتكاسل ..ربما يحتاج أن يكون أكثر مواظبة على العبادة ، فلعل هذا يبعده عن الضيق والهموم . راقت له الفكرة ، تبدو أفضل من الحيرة التي يدور فيها منذ بداية الأزمة .. ربما لو اجتهد أكثر في الدراسة فسوف ينسيه انهماكه كل شيء..لم لا ؟
راح يعب من النسيم الرائق بهدوء وعمق ، ويزيد من تطلعه ﺇلى البحر ..كأنه يستنطقه..لاحت في ذهنه صورة معلقة في البيت لأمه وهي تحمله رضيعا..هل يفتقدها ؟ لا يذكر عنها الكثير فقد ماتت وهو لا يزال في طفولته المبكرة ، لكن ربما لو كانت موجودة لأخرجته من حيرته ، أو لأعطى وجودها روحا مختلفة لكل شيء..
بقي على حالته يفكر، ثم وجد ذهنه قد أرهق فتوقف واكتفى بالتمتع بالنسيم البارد المنعش . فجأة قام متحمسا ، لكنه لم يكن حماسا لصنع تغيير جذري في حياته ، بل لينظر عن قرب ﺇلى الحسناء التي مرت من أمامه في ثياب البحر..
١٩/١١/٢٠٠٨
حدث في مثل هذا اليوم !


يوم جديد
اني لأفزع كلما جاءت
خيول الليل نحوي
يحتويني الهم..يخنقني الضجر
شعر..فاروق جويدة
أقسم أن كل شيء يتكرر !
***
حتى الفيلم الذي ذهبت لأشاهده دفعا للملل كان يحكي عن التكرار ! ففكرة فيلم (زي النهاردة) تقوم على أن البطلة تواجه أحداثا تتكرر بنفس تواريخها..تتعرف على شاب ثم يصارحها بحبه في تاريخ معين ثم يموت لتتعرف على آخر في تاريخ مشابه ويصارحها بالحب في نفس تاريخ مصارحة الأول ، لتجد أن كل شيء يتكرر أمامها ..
***
الصورتان أمامك ليستا لنفس المكان كما قد تظن ، ﺇحداهما لحزب الغد والأخرى لحزب الوفد ، لابد أنك شاهدت أو قرأت عن حريق حزب الغد في السادس من نوفمبر ، حين خرجت مسيرة طويلة لموسى مصطفى موسى وأنصاره أمام الحزب ثم اشتباكات مع جميلة ﺇسماعيل وأنصارها – جبهة نور- الموجودين داخل المبنى ونيران اشتعلت وقنابل مولوتوف ألقيت في الهواء في ظل غياب للأمن ثم اتهامات متبادلة بين الطرفين ،لابد أيضا أنك عدت بالذاكرة لحريق حزب الوفد وصراع نعمان جمعة ومحمود أباظة ..حتى النظام الحاكم لا يغير طريقته في تدمير معارضيه ..الحريق باستخدام الصراعات الداخلية . لا بأس أن أذكرك أن كلا من وصيف الانتخابات الرئاسية أيمن نور وصاحب المركز الثالث نعمان جمعة ذهبا بعد الانتخابات للمصير نفسه..السجن. لا بأس أيضا أن نتذكر أن نور نفسه كان في البدء عضوا بحزب الوفد ..
***
في كل مرة أذهب ﺇلى الكلية بعد ظهور النتيجة ، لكن شاءت الظروف أن أذهب هذه المرة فأجدها لم تعلق بعد وأجلس في انتظارها مصحوبا بتوقعات أعرف أنها ستخيب كما يحدث دوما ..تأتي وأجدني حصلت على التقدير نفسه في المواد كلها بل على نفس النسبة المئوية تقريبا ..وهو بالمناسبة التقدير العام نفسه الذي حصلت عليه في العام السابق وقبل السابق !
***
أقرأ خبرا عن اختيار رئيس لمجلس الشعب ..ولدهشتي أجد الرئيس (الجديد) هو د.أحمد فتحي سرور !
***
بعد سوء النتائج يقرر مجلس ﺇدارة الزمالك تغيير الجهاز الفني المعاون واﻹبقاء على المدير الفني الأجنبي (الذي يتفق الجميع على فشله) ويتم اختيار أحمد رمزي للمهمة (للمرة الثالثة ربما في السنوات الأربع الأخيرة) ليكون أول تصريح للجهاز الجديد بعد اﻹخفاق في الفوز بأول مباراة هو الجملة المأثورة نفسها :
الدوري لا يزال في الملعب
مع أن الفريق يخسر الدوري في كل مرة !
***
في نهاية فيلم (زي النهاردة) تدرك البطلة أنه بتكرار الأحداث سوف يموت خطيبها الثاني في نفس تاريخ وفاة الأول ، لكن محاولتها لمنعه تنتهي بأن تتلقى الرصاصة بدلا منه وتموت هي..وهي ﺇشارة مخيفة للغاية !
اني لأفزع كلما جاءت
خيول الليل نحوي
يحتويني الهم..يخنقني الضجر
شعر..فاروق جويدة
أقسم أن كل شيء يتكرر !
***
حتى الفيلم الذي ذهبت لأشاهده دفعا للملل كان يحكي عن التكرار ! ففكرة فيلم (زي النهاردة) تقوم على أن البطلة تواجه أحداثا تتكرر بنفس تواريخها..تتعرف على شاب ثم يصارحها بحبه في تاريخ معين ثم يموت لتتعرف على آخر في تاريخ مشابه ويصارحها بالحب في نفس تاريخ مصارحة الأول ، لتجد أن كل شيء يتكرر أمامها ..
***
الصورتان أمامك ليستا لنفس المكان كما قد تظن ، ﺇحداهما لحزب الغد والأخرى لحزب الوفد ، لابد أنك شاهدت أو قرأت عن حريق حزب الغد في السادس من نوفمبر ، حين خرجت مسيرة طويلة لموسى مصطفى موسى وأنصاره أمام الحزب ثم اشتباكات مع جميلة ﺇسماعيل وأنصارها – جبهة نور- الموجودين داخل المبنى ونيران اشتعلت وقنابل مولوتوف ألقيت في الهواء في ظل غياب للأمن ثم اتهامات متبادلة بين الطرفين ،لابد أيضا أنك عدت بالذاكرة لحريق حزب الوفد وصراع نعمان جمعة ومحمود أباظة ..حتى النظام الحاكم لا يغير طريقته في تدمير معارضيه ..الحريق باستخدام الصراعات الداخلية . لا بأس أن أذكرك أن كلا من وصيف الانتخابات الرئاسية أيمن نور وصاحب المركز الثالث نعمان جمعة ذهبا بعد الانتخابات للمصير نفسه..السجن. لا بأس أيضا أن نتذكر أن نور نفسه كان في البدء عضوا بحزب الوفد ..
***
في كل مرة أذهب ﺇلى الكلية بعد ظهور النتيجة ، لكن شاءت الظروف أن أذهب هذه المرة فأجدها لم تعلق بعد وأجلس في انتظارها مصحوبا بتوقعات أعرف أنها ستخيب كما يحدث دوما ..تأتي وأجدني حصلت على التقدير نفسه في المواد كلها بل على نفس النسبة المئوية تقريبا ..وهو بالمناسبة التقدير العام نفسه الذي حصلت عليه في العام السابق وقبل السابق !
***
أقرأ خبرا عن اختيار رئيس لمجلس الشعب ..ولدهشتي أجد الرئيس (الجديد) هو د.أحمد فتحي سرور !
***
بعد سوء النتائج يقرر مجلس ﺇدارة الزمالك تغيير الجهاز الفني المعاون واﻹبقاء على المدير الفني الأجنبي (الذي يتفق الجميع على فشله) ويتم اختيار أحمد رمزي للمهمة (للمرة الثالثة ربما في السنوات الأربع الأخيرة) ليكون أول تصريح للجهاز الجديد بعد اﻹخفاق في الفوز بأول مباراة هو الجملة المأثورة نفسها :
الدوري لا يزال في الملعب
مع أن الفريق يخسر الدوري في كل مرة !
***
في نهاية فيلم (زي النهاردة) تدرك البطلة أنه بتكرار الأحداث سوف يموت خطيبها الثاني في نفس تاريخ وفاة الأول ، لكن محاولتها لمنعه تنتهي بأن تتلقى الرصاصة بدلا منه وتموت هي..وهي ﺇشارة مخيفة للغاية !
١٢/١١/٢٠٠٨
اشارة على الطريق
يوم جديد
واﻵن أجري وراء العمر منتظرا
ما لا يجيء.. كأن العمر ما كانا !
شعر..فاروق جويدة
قصيدة وديوان..كأن العمر ما كانا
واﻵن أجري وراء العمر منتظرا
ما لا يجيء.. كأن العمر ما كانا !
شعر..فاروق جويدة
قصيدة وديوان..كأن العمر ما كانا
1- توقف ونظرة للوراء..
ها هو يعاود الاتصال مرة أخرى .. لن أرد ، وبعد أن تنتهي المكالمة سأغلق الهاتف نهائيا . لا فلأرد عليه حتى لا يساورهم القلق عليّ ، فلقد تركتهم فجأة ولم أخبرهم بشيء ..يسكت الهاتف . سأحدثه أنا لاحقا ، وأقول له ﺇنني عدت لأمر عاجل أو أن والدتي طلبت مني الحضور . لا سأقول له صراحة ﺇنني شعرت بالضيق وأطلب منه أن يتركني على راحتي ، وسوف يتفهم الموقف .. صحيح أنني من طلبت منهم أن نذهب سوية للمصيف وألححت عليهم بالمجيء رغم مشاغلهم لكنني لا أستطيع أن أستمر ..فالملل الذي ذهبت خصيصا من أجل التخلص منه يكاد يقتلني ..الأيام تشبه بعضها تماما منذ أن تركت العمل بالمصنع ، ولكنها كانت متشابهة أيضا وأنا أعمل به ! تعاودني الحيرة كلما فكرت في الموضوع ، فهل كان الأفضل أن أستمر بدل أن أبقى عاطلا ؟ أم أنني أصبت بترك وظيفة لا علاقة لها بما عكفت على دراسته أربع سنوات بالجامعة ثم سنتين في تحضير الماجستير ؟ لكن أين أجد عملا في مجال تخصصي العلمي وهذه الأبحاث غير متوافرة بالبلاد ولا تلقى اهتمام أحد ؟ فـﺈما أن أسافر للخارج أو أنسى كل ما تعلمته أو أنتظر معجزة تحدث للبلد بأكمله ، لكنني لا أستطيع السفر بسبب والدتي ، فلا يمكن أن أتركها وحدها أو أن آخذها معي – في هذا العمر- ﺇلى بلد مجهول أواجه ظروفا مجهولة . لا ليس هذا السبب الوحيد ، فهناك حاجز بيني وبين السفر.. أشعر أنني لو سافرت ونجحت فلن أكون أنا من نجح ، وﺇنما شخص آخر غريب عني وسأحاول حينها البحث عن نفسي فلا أجدها ، ﺇذا كنت أضل عن نفسي وأنا على الأرض التي نشأت عليها وبين الناس الذين أعرفهم ويعرفونني فهل سأجدها مع الغرباء ؟..لا أعرف تحديدا متى وصلت الى كل هذا القنوط ، فقد كنت أيام الدراسة سعيدا أو لم أكن أفكر في كل هذا ..أبدو كمن يسير بطريق وأوغل فيه ثم نسي ﺇلى أين كان ذاهبا في الأصل ، بل وأين كانت البداية ؟
اندهشت أمي لعودتي المفاجئة وتركي لأصدقائي . طمأنتها بأنني على ما يرام ولم يحدث مكروه ، فقط أصابني الملل فقررت العودة ، ولا أظنها اقتنعت لكنها قالت ضاحكة ﺇنني كنت أشعر بها ، فقد كانت تخطط لشراء أشياء كثيرة ولا تعرف كيف تذهب من دوني ..قلت :
لا مشكلة ..وقتي كله فارغ .
***
لا جدوى . يبدو أنني لن أقدر أن أنام بضع سويعات بعد الظهر ، فها هي ساعة تمر وأنا أتقلب على الفراش والنوم لا يزال بعيدا ، طوال حياتي لم أتعود على أن أنام في النهار ، ولكن ماذا أفضل من النوم يمكن أن يختصر الوقت ويريحني من اجترار أفكاري ؟
مازلت أعجب كيف لـ (صادق) أن يتركني وحيدة ويموت ؟ وهو الذي لم يكن – خلال سبعة وثلاثين عاما من زواجنا- يتخذ قرارا دون مشورتي أو يذهب ﺇلى مكان دون أن يخبرني مسبقا بوجهته ، ثم يأتي ﺇلى أهم وأخطر القرارات فيفاجئني به هكذا ! يرحل في الوقت الذي لم يعد لي فيه سواه ، حتى عيادتي أغلقتها منذ سنة بعد أن فقدت القدرة على العمل .. ما من أحد أراه اﻵن سوى وجهي المتعب في المرآة ولا أحدث سوى نفسي..نفسي أيضا لم تضن عليّ بالكلام وصارت تحيطني بشلال من الأفكار التي لا تنتهي ، وأجد كل السنوات التي عشتها كأنها لحظات من حلم خاطف ..مجرد لقطات تأتي ﺇلى ذاكرتي وتمر مسرعة دون أن أتحقق منها ..دون أن أعرف ﺇلى أين سيوصلني هذا الطريق الطويل . هذا العمر كله مع زوج مخلص ينتهي في لحظة ..نصف ساعة فقط ما بين شعوره بالألم في صدره وبين ﺇغلاق عينيه الى الأبد . كيف يمكن أن تكون حقيقية تلك الحياة الحافلة مادامت تنتهي بهذه البساطة ؟
قضيت أيامي كلها أتابع النساء الحوامل ، أشاهد الأجنة في شاشة الأشعة ، وأتابع مراحل نموهم حتى أخرجهم من أرحام أمهاتهم وأسمع صرخاتهم الأولى ، لكن رحمي أبى أن يحمل جنينا، ولم يستطع الطب الذي تعلمته وأفنيت نفسي فيه أن يساعدني ، حتى أقعدني ضعف المشيب فأغلقت عيادتي وتوقفت عن العمل . بالأمس مررت عليها ونظرت لها من بعيد .. كل شيء في الشارع والبناية طبيعي تماما ، ولا يبدو أن أحدا تأثر بـﺈغلاقها ..أو كأنها لم تكن مفتوحة من قبل ..
ﺇذن فلأنم وقتا أطول ، أو أقرأ ، أو أشاهد التلفاز وأجد العالم كله يتحرك أمامي على الشاشة ، حتى لو كنت أنا أكتفي بمشاهدته من الخارج ، وحتى لو كانت هذه الدراما التي أتابعها ليست سوى وهم يصنعه ممثلون أمام العدسات ويتقاضون عليه أموالا ..الغريب أنه حتى هذا العالم ينتهي كله بضغطة زر !
***
2- سير بغير هدى..
كانت أمي تتحدث ﺇليّ كثيرا بينما كنت أغلب الوقت شاردا ، أكتفي بين حين وآخر بأن أرد باقتضاب أو أهز رأسي ثم أعاود النظر ﺇلى الطريق أمامي . تنقلنا بين أكثر من مكان حيث اشترت نظارة أخرى خلاف نظارتها التي كسرت ، وبعض أغراض للبيت ، ولوحة زيتية من تلك اللوحات التي لا أعرف لماذا تحب اقتناءها ، وكدنا – بعد أن لم يعد بالسيارة مكان لشيء جديد – أن نعود للبيت ، لولا أن قلت لها ﺇننا تعبنا كثيرا من التسوق ولا يصح أن ترهق نفسها في الطبخ بعد ذلك ، وتوقفت بالسيارة أمام أحد المطاعم .
مرت الدقائق بطيئة ونحن في انتظار الطعام ، واصلت فيها شرودي مع دوائر الأفكار المفرغة حتى انتبهت على صوت أمي تقول :
حسام ..هل تعرف هذه المرأة ؟
***
أصبحت أخرج كثيرا ، أخترع أسبابا لأغادر البيت ، مرة لزيارة ﺇحدى صديقاتي ، أو لزيارة أخي وقضاء بعض الوقت مع أبنائه، ومرات للتسوق وشراء لوازمي ، وﺇن لم تعد كثيرة بعدما صرت أعيش بمفردي . قررت اليوم أن أسير ﺇلى مطعم قريب أتناول فيه الغداء ، مع أنني لا أحب أكل المطاعم لكنني في حاجة ﺇلى التغيير ..لم يكن الطعام ممتازا لكن لا بأس به والمكان جديد ذو ألوان مبهجة وبه رواد كثر ، كان حديثهم يصنع جلبة ويعطي المكان روحا . لم أجد بنفسي قوة على السير بعد أن خرجت فوقفت أنتظر سيارة أجرة تقلني ﺇلى البيت حتى وجدت شابا يتقدم مني ويلقي عليّ التحية ، اندهشت أنه يعرفني .
***
3-أضواء في الأفق..
كانت تشير ﺇلى امرأة مسنة تكاد تغادر المطعم .
قلت : لا أعرفها .
قالت وهي تبتسم ابتسامة واسعة وعيناها مليئتان بالدهشة :
ﺇنها د.سامية القاضي ..الطبيبة التي أشرفت على ولادتي ﺇياك.
بدا أنها تعود ﺇلى سنوات مضت . نظرت لها ذاهلا للحظة بعدها وقفت وتحركت بسرعة في اتجاه المرأة ..لكنني توقفت ..ترى ماذا عساي أن أقول لها ؟ لا أعرف..لكنها فرصة ينبغي ألا أضيعها ، حدث مدهش لا يشبه غيره ..ربما خيط بداية أيضا ! فقد كانت شاهدة على أول لحظة لي في هذه الحياة ..كانت قد خرجت في لحظات ترددي فخرجت لأجدها واقفة . شعرها الأشيب ورداؤها الهادئ الأنيق منحاني بعضا من الارتياح لها وتشجعت على الاقتراب :
-مساء الخير.
*مساء النور.
-د.سامية ..أليس كذلك ؟
قالت بدهشة : بلى .
قلت مبتسما:
-أنت لا تعرفينني لكنك أثرت كثيرا في حياتي ، فقد ولدت وجئت ﺇلى الدنيا على يديك .
تغيرت نظرتها .. بدت مستغربة أو شاردة ..قالت بعد لحظة :
*ما اسمك يا بني ؟
- حسام..حسام رأفت .
لم أدر ماذا أقول ..هممت أن أسألها عن لحظة البداية ..لكن كيف أقول هذا ؟ قلت بتلعثم :
-هل كان مجيئي متعسرا ؟ أقصد.. كيف كانت اللحظة الأولى ؟
لم تجب ..لا أظنها فهمت ..ربما أنا نفسي لا أفهم ..أضفت :
-أنا سعيد جدا برؤيتك ، وأحب أن ..أن أشكرك .
مدت يدها تصافحني وشدت على يدي وتركتها وقد أشرق وجهها بابتسامة ..ابتسامة طيبة آسرة ..تشبه ابتسامة أمي كثيرا ..
كلما تذكرت أن حديثي معها كان سببا في هذه الابتسامة العذبة ، أو رأيتها على وجه أمي..ابتهجت.
***
لم يكن وجهه مألوفا لي ..قال:
-لقد أثرت كثيرا في حياتي..فخروجي ﺇلى الدنيا جاء على يديك .
هل يمكن هذا ؟ الشاب يبدو في منتصف العشرينات ، وأنا أعمل منذ ما يقرب من أربعين عاما ..لم لا ؟ تأملته ..شاب قوي ومهذب ..لا بد أنه قادر على صنع طريقه في الحياة ، ولا بد أن أمه التي تعبت في ولادته تفخر به اﻵن ..يقول ﺇنه جاء على يديّ..يديّ اللتين أصابتهما الرعشة وتجعد جلدهما ..معقول ؟اسمه حسام .. قال لي شيئا لم أنتبه ﺇليه ثم صافحني ..كان ممتنا..ثم ودعته وتابعته عيناي يدخل ﺇلى المطعم .
كلما أفكر كم واحدا جاءت به هاتان اليدان المرتعشتان..أطمئن.
ها هو يعاود الاتصال مرة أخرى .. لن أرد ، وبعد أن تنتهي المكالمة سأغلق الهاتف نهائيا . لا فلأرد عليه حتى لا يساورهم القلق عليّ ، فلقد تركتهم فجأة ولم أخبرهم بشيء ..يسكت الهاتف . سأحدثه أنا لاحقا ، وأقول له ﺇنني عدت لأمر عاجل أو أن والدتي طلبت مني الحضور . لا سأقول له صراحة ﺇنني شعرت بالضيق وأطلب منه أن يتركني على راحتي ، وسوف يتفهم الموقف .. صحيح أنني من طلبت منهم أن نذهب سوية للمصيف وألححت عليهم بالمجيء رغم مشاغلهم لكنني لا أستطيع أن أستمر ..فالملل الذي ذهبت خصيصا من أجل التخلص منه يكاد يقتلني ..الأيام تشبه بعضها تماما منذ أن تركت العمل بالمصنع ، ولكنها كانت متشابهة أيضا وأنا أعمل به ! تعاودني الحيرة كلما فكرت في الموضوع ، فهل كان الأفضل أن أستمر بدل أن أبقى عاطلا ؟ أم أنني أصبت بترك وظيفة لا علاقة لها بما عكفت على دراسته أربع سنوات بالجامعة ثم سنتين في تحضير الماجستير ؟ لكن أين أجد عملا في مجال تخصصي العلمي وهذه الأبحاث غير متوافرة بالبلاد ولا تلقى اهتمام أحد ؟ فـﺈما أن أسافر للخارج أو أنسى كل ما تعلمته أو أنتظر معجزة تحدث للبلد بأكمله ، لكنني لا أستطيع السفر بسبب والدتي ، فلا يمكن أن أتركها وحدها أو أن آخذها معي – في هذا العمر- ﺇلى بلد مجهول أواجه ظروفا مجهولة . لا ليس هذا السبب الوحيد ، فهناك حاجز بيني وبين السفر.. أشعر أنني لو سافرت ونجحت فلن أكون أنا من نجح ، وﺇنما شخص آخر غريب عني وسأحاول حينها البحث عن نفسي فلا أجدها ، ﺇذا كنت أضل عن نفسي وأنا على الأرض التي نشأت عليها وبين الناس الذين أعرفهم ويعرفونني فهل سأجدها مع الغرباء ؟..لا أعرف تحديدا متى وصلت الى كل هذا القنوط ، فقد كنت أيام الدراسة سعيدا أو لم أكن أفكر في كل هذا ..أبدو كمن يسير بطريق وأوغل فيه ثم نسي ﺇلى أين كان ذاهبا في الأصل ، بل وأين كانت البداية ؟
اندهشت أمي لعودتي المفاجئة وتركي لأصدقائي . طمأنتها بأنني على ما يرام ولم يحدث مكروه ، فقط أصابني الملل فقررت العودة ، ولا أظنها اقتنعت لكنها قالت ضاحكة ﺇنني كنت أشعر بها ، فقد كانت تخطط لشراء أشياء كثيرة ولا تعرف كيف تذهب من دوني ..قلت :
لا مشكلة ..وقتي كله فارغ .
***
لا جدوى . يبدو أنني لن أقدر أن أنام بضع سويعات بعد الظهر ، فها هي ساعة تمر وأنا أتقلب على الفراش والنوم لا يزال بعيدا ، طوال حياتي لم أتعود على أن أنام في النهار ، ولكن ماذا أفضل من النوم يمكن أن يختصر الوقت ويريحني من اجترار أفكاري ؟
مازلت أعجب كيف لـ (صادق) أن يتركني وحيدة ويموت ؟ وهو الذي لم يكن – خلال سبعة وثلاثين عاما من زواجنا- يتخذ قرارا دون مشورتي أو يذهب ﺇلى مكان دون أن يخبرني مسبقا بوجهته ، ثم يأتي ﺇلى أهم وأخطر القرارات فيفاجئني به هكذا ! يرحل في الوقت الذي لم يعد لي فيه سواه ، حتى عيادتي أغلقتها منذ سنة بعد أن فقدت القدرة على العمل .. ما من أحد أراه اﻵن سوى وجهي المتعب في المرآة ولا أحدث سوى نفسي..نفسي أيضا لم تضن عليّ بالكلام وصارت تحيطني بشلال من الأفكار التي لا تنتهي ، وأجد كل السنوات التي عشتها كأنها لحظات من حلم خاطف ..مجرد لقطات تأتي ﺇلى ذاكرتي وتمر مسرعة دون أن أتحقق منها ..دون أن أعرف ﺇلى أين سيوصلني هذا الطريق الطويل . هذا العمر كله مع زوج مخلص ينتهي في لحظة ..نصف ساعة فقط ما بين شعوره بالألم في صدره وبين ﺇغلاق عينيه الى الأبد . كيف يمكن أن تكون حقيقية تلك الحياة الحافلة مادامت تنتهي بهذه البساطة ؟
قضيت أيامي كلها أتابع النساء الحوامل ، أشاهد الأجنة في شاشة الأشعة ، وأتابع مراحل نموهم حتى أخرجهم من أرحام أمهاتهم وأسمع صرخاتهم الأولى ، لكن رحمي أبى أن يحمل جنينا، ولم يستطع الطب الذي تعلمته وأفنيت نفسي فيه أن يساعدني ، حتى أقعدني ضعف المشيب فأغلقت عيادتي وتوقفت عن العمل . بالأمس مررت عليها ونظرت لها من بعيد .. كل شيء في الشارع والبناية طبيعي تماما ، ولا يبدو أن أحدا تأثر بـﺈغلاقها ..أو كأنها لم تكن مفتوحة من قبل ..
ﺇذن فلأنم وقتا أطول ، أو أقرأ ، أو أشاهد التلفاز وأجد العالم كله يتحرك أمامي على الشاشة ، حتى لو كنت أنا أكتفي بمشاهدته من الخارج ، وحتى لو كانت هذه الدراما التي أتابعها ليست سوى وهم يصنعه ممثلون أمام العدسات ويتقاضون عليه أموالا ..الغريب أنه حتى هذا العالم ينتهي كله بضغطة زر !
***
2- سير بغير هدى..
كانت أمي تتحدث ﺇليّ كثيرا بينما كنت أغلب الوقت شاردا ، أكتفي بين حين وآخر بأن أرد باقتضاب أو أهز رأسي ثم أعاود النظر ﺇلى الطريق أمامي . تنقلنا بين أكثر من مكان حيث اشترت نظارة أخرى خلاف نظارتها التي كسرت ، وبعض أغراض للبيت ، ولوحة زيتية من تلك اللوحات التي لا أعرف لماذا تحب اقتناءها ، وكدنا – بعد أن لم يعد بالسيارة مكان لشيء جديد – أن نعود للبيت ، لولا أن قلت لها ﺇننا تعبنا كثيرا من التسوق ولا يصح أن ترهق نفسها في الطبخ بعد ذلك ، وتوقفت بالسيارة أمام أحد المطاعم .
مرت الدقائق بطيئة ونحن في انتظار الطعام ، واصلت فيها شرودي مع دوائر الأفكار المفرغة حتى انتبهت على صوت أمي تقول :
حسام ..هل تعرف هذه المرأة ؟
***
أصبحت أخرج كثيرا ، أخترع أسبابا لأغادر البيت ، مرة لزيارة ﺇحدى صديقاتي ، أو لزيارة أخي وقضاء بعض الوقت مع أبنائه، ومرات للتسوق وشراء لوازمي ، وﺇن لم تعد كثيرة بعدما صرت أعيش بمفردي . قررت اليوم أن أسير ﺇلى مطعم قريب أتناول فيه الغداء ، مع أنني لا أحب أكل المطاعم لكنني في حاجة ﺇلى التغيير ..لم يكن الطعام ممتازا لكن لا بأس به والمكان جديد ذو ألوان مبهجة وبه رواد كثر ، كان حديثهم يصنع جلبة ويعطي المكان روحا . لم أجد بنفسي قوة على السير بعد أن خرجت فوقفت أنتظر سيارة أجرة تقلني ﺇلى البيت حتى وجدت شابا يتقدم مني ويلقي عليّ التحية ، اندهشت أنه يعرفني .
***
3-أضواء في الأفق..
كانت تشير ﺇلى امرأة مسنة تكاد تغادر المطعم .
قلت : لا أعرفها .
قالت وهي تبتسم ابتسامة واسعة وعيناها مليئتان بالدهشة :
ﺇنها د.سامية القاضي ..الطبيبة التي أشرفت على ولادتي ﺇياك.
بدا أنها تعود ﺇلى سنوات مضت . نظرت لها ذاهلا للحظة بعدها وقفت وتحركت بسرعة في اتجاه المرأة ..لكنني توقفت ..ترى ماذا عساي أن أقول لها ؟ لا أعرف..لكنها فرصة ينبغي ألا أضيعها ، حدث مدهش لا يشبه غيره ..ربما خيط بداية أيضا ! فقد كانت شاهدة على أول لحظة لي في هذه الحياة ..كانت قد خرجت في لحظات ترددي فخرجت لأجدها واقفة . شعرها الأشيب ورداؤها الهادئ الأنيق منحاني بعضا من الارتياح لها وتشجعت على الاقتراب :
-مساء الخير.
*مساء النور.
-د.سامية ..أليس كذلك ؟
قالت بدهشة : بلى .
قلت مبتسما:
-أنت لا تعرفينني لكنك أثرت كثيرا في حياتي ، فقد ولدت وجئت ﺇلى الدنيا على يديك .
تغيرت نظرتها .. بدت مستغربة أو شاردة ..قالت بعد لحظة :
*ما اسمك يا بني ؟
- حسام..حسام رأفت .
لم أدر ماذا أقول ..هممت أن أسألها عن لحظة البداية ..لكن كيف أقول هذا ؟ قلت بتلعثم :
-هل كان مجيئي متعسرا ؟ أقصد.. كيف كانت اللحظة الأولى ؟
لم تجب ..لا أظنها فهمت ..ربما أنا نفسي لا أفهم ..أضفت :
-أنا سعيد جدا برؤيتك ، وأحب أن ..أن أشكرك .
مدت يدها تصافحني وشدت على يدي وتركتها وقد أشرق وجهها بابتسامة ..ابتسامة طيبة آسرة ..تشبه ابتسامة أمي كثيرا ..
كلما تذكرت أن حديثي معها كان سببا في هذه الابتسامة العذبة ، أو رأيتها على وجه أمي..ابتهجت.
***
لم يكن وجهه مألوفا لي ..قال:
-لقد أثرت كثيرا في حياتي..فخروجي ﺇلى الدنيا جاء على يديك .
هل يمكن هذا ؟ الشاب يبدو في منتصف العشرينات ، وأنا أعمل منذ ما يقرب من أربعين عاما ..لم لا ؟ تأملته ..شاب قوي ومهذب ..لا بد أنه قادر على صنع طريقه في الحياة ، ولا بد أن أمه التي تعبت في ولادته تفخر به اﻵن ..يقول ﺇنه جاء على يديّ..يديّ اللتين أصابتهما الرعشة وتجعد جلدهما ..معقول ؟اسمه حسام .. قال لي شيئا لم أنتبه ﺇليه ثم صافحني ..كان ممتنا..ثم ودعته وتابعته عيناي يدخل ﺇلى المطعم .
كلما أفكر كم واحدا جاءت به هاتان اليدان المرتعشتان..أطمئن.
٥/١١/٢٠٠٨
الدوائر التي لا تنتهي
يوم جديد
وريقةً..وريقة ً
يسقط عمري من نتيجة الحائطْ
والورق الساقط ْ
يطفو على بحيرة الذكرى
فتلتوي دوائرا
وتختفي دائرة ً فدائره ْ !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..الموت في لوحات
ديوان..البكاء بين يدي زرقاء اليمامة
(اعذرني ان كنت أبدأ بمقطع شعري سبق لي أن بدأت به في تدوينة أخرى..لكنني وجدته مناسبا هنا ..خاصة أن كل شيء يتكرر !)
1
يقترب وقت الامتحانات ..شيئا فشيئا يقترب ظهري من الجدار ولا أجد مفرا من أفعل ما أصبح يمثل مأساة في حد ذاته..أن أذاكر..رغبتي في حرق هذه الكتب أو تمزيقها تتزايد لكنني أعرف أنني لن أفعل ..لا يحترق سوى أعصابي ولا يتمزق ﺇلا الأيام التي تضيع تباعا ..أكتشف للمرة الألف أن تركيبة عقلي وأسلوب الدراسة يسيران في اتجاهين متعاكسين ، وأنني أحاول الحرث في البحر ، أو أصدم رأسي بالجدار لعله يسقط..مع أن الدماء تتناثر من جبهتي في كل مرة !
***
2
ليلة الامتحان..أحاول أن أحشد هذا الكم من المعلومات في رأسي بأي طريقة حتى صباح الغد ..أكتشف أن هذا غير ممكن وأن ما حفظته منذ ساعات لم أعد أذكر منه حرفا ..أتوتر..أقول ﺇنني يجب أن أنهي الأ جزاء الأهم وليكن بعدها ما يكون ..أشعر بثقل على صدري..أقوم مبكرا لأقرأ المزيد وأصب المزيد في الكأس الممتلئة..أقول ﺇنني لو أملك ساعتين ﺇضافيتين لتحسن الأمر كثيرا ..أكتشف أخيرا أن هاتين الساعتين لا تأتيان أبدا..
***
3
أقف أمام أسئلة قرأتها في الليلة السابقة ولا أذكر شيئا عنها..ألوم نفسي .. ثم أفكر أن هذه نتيجة طبيعية وأنه لم يكم ممكنا أن أتذكر كل هذا ..أهدأ..أشعر بالتحرر مجرد أن أخرج من لجنة الامتحان..أنسى كل شيء عنه بعد ساعات..
***
4
ألعن كل شيء مع بداية الامتحانات الشفوية والعملية ..ألعن نظام الكلية الذي يجعلنا نؤدي الامتحانات التحريرية لكل المواد ثم نعاود أداء امتحاناتها الشفوية والعملية ..أذهب في الثامنة صباحا لأقف في طرقة منتظرا أن ينادى اسمي في أية لحظة..أنتظر ساعتين أو أكثر..أفقد هدوئي وأتوتر..ثم يدفع بي ﺇلى اللجنة فاقدا أي تركيز..
***
5
تسألني الممتحنة بعد أن قرأت اسمي في البطاقة:
لم أنت غاضب يا أحمد ؟
أقول بابتسامة عريضة مصطنعة :
أبدا ..أنا لست غاضبا..
أكذب..
***
6
تطول مدة الامتحانات ..تتجاوز الشهر..أشعر أن هذا الأيام لن تمر..ثم تنتهي..أتحرر من جديد ..ثم أنسى كل شيء من جديد..كأنه لم يكن ..يوم بسنة في طوله وسنة بيوم في تفاهتها كما يقال..لا يبقى في الذاكرة سوى لحظات..حين يسألني الممتحن فلا أجد جوابا ..أحول نظري بين الأرض والمنضدة وأعقد كفيّ متحاشيا النظر ﺇلى وجهه..أهم بقول شيء ثم أتراجع ثم أقول في النهاية منهيا العناء: لا أعرف .
أو حين أخرج فأكتشف أنني كنت أقول كلاما فارغا لا علاقة له بالجواب الصحيح وأن الرجل حاول أن يساعدني لكنني لم أفهم ..
***
7
أفكر أن كل هذا يجب أن ينتهي..لا أجد حلا سوى أن أواصل الانتظار..أنتظر..
يقترب وقت الامتحانات ..شيئا فشيئا يقترب ظهري من الجدار ولا أجد مفرا من أفعل ما أصبح يمثل مأساة في حد ذاته..أن أذاكر..رغبتي في حرق هذه الكتب أو تمزيقها تتزايد لكنني أعرف أنني لن أفعل ..لا يحترق سوى أعصابي ولا يتمزق ﺇلا الأيام التي تضيع تباعا ..أكتشف للمرة الألف أن تركيبة عقلي وأسلوب الدراسة يسيران في اتجاهين متعاكسين ، وأنني أحاول الحرث في البحر ، أو أصدم رأسي بالجدار لعله يسقط..مع أن الدماء تتناثر من جبهتي في كل مرة !
***
2
ليلة الامتحان..أحاول أن أحشد هذا الكم من المعلومات في رأسي بأي طريقة حتى صباح الغد ..أكتشف أن هذا غير ممكن وأن ما حفظته منذ ساعات لم أعد أذكر منه حرفا ..أتوتر..أقول ﺇنني يجب أن أنهي الأ جزاء الأهم وليكن بعدها ما يكون ..أشعر بثقل على صدري..أقوم مبكرا لأقرأ المزيد وأصب المزيد في الكأس الممتلئة..أقول ﺇنني لو أملك ساعتين ﺇضافيتين لتحسن الأمر كثيرا ..أكتشف أخيرا أن هاتين الساعتين لا تأتيان أبدا..
***
3
أقف أمام أسئلة قرأتها في الليلة السابقة ولا أذكر شيئا عنها..ألوم نفسي .. ثم أفكر أن هذه نتيجة طبيعية وأنه لم يكم ممكنا أن أتذكر كل هذا ..أهدأ..أشعر بالتحرر مجرد أن أخرج من لجنة الامتحان..أنسى كل شيء عنه بعد ساعات..
***
4
ألعن كل شيء مع بداية الامتحانات الشفوية والعملية ..ألعن نظام الكلية الذي يجعلنا نؤدي الامتحانات التحريرية لكل المواد ثم نعاود أداء امتحاناتها الشفوية والعملية ..أذهب في الثامنة صباحا لأقف في طرقة منتظرا أن ينادى اسمي في أية لحظة..أنتظر ساعتين أو أكثر..أفقد هدوئي وأتوتر..ثم يدفع بي ﺇلى اللجنة فاقدا أي تركيز..
***
5
تسألني الممتحنة بعد أن قرأت اسمي في البطاقة:
لم أنت غاضب يا أحمد ؟
أقول بابتسامة عريضة مصطنعة :
أبدا ..أنا لست غاضبا..
أكذب..
***
6
تطول مدة الامتحانات ..تتجاوز الشهر..أشعر أن هذا الأيام لن تمر..ثم تنتهي..أتحرر من جديد ..ثم أنسى كل شيء من جديد..كأنه لم يكن ..يوم بسنة في طوله وسنة بيوم في تفاهتها كما يقال..لا يبقى في الذاكرة سوى لحظات..حين يسألني الممتحن فلا أجد جوابا ..أحول نظري بين الأرض والمنضدة وأعقد كفيّ متحاشيا النظر ﺇلى وجهه..أهم بقول شيء ثم أتراجع ثم أقول في النهاية منهيا العناء: لا أعرف .
أو حين أخرج فأكتشف أنني كنت أقول كلاما فارغا لا علاقة له بالجواب الصحيح وأن الرجل حاول أن يساعدني لكنني لم أفهم ..
***
7
أفكر أن كل هذا يجب أن ينتهي..لا أجد حلا سوى أن أواصل الانتظار..أنتظر..
٢/١٠/٢٠٠٨
كم مرة شاهدته ؟!
يوم جديد
أحفظ رأسي في الخزائن الحديديه
وعندما أبدأ رحلتي النهاريه
أحمل في مكانها مذياعا
أنشر حولي البيانات الحماسية والصداعا
وبعد أن أعود في ختام جولتي المسائيه
أحمل في مكان رأسي الحقيقيه
قنينة الخمر الزجاجيه !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..فقرات من كتاب الموت
ديوان..تعليق على ما حدث
هل سبق أن شاهدت فيلما أكثر من مرة ؟ غالبا حدث..هل سبق أن شاهدت نفس الفيلم عشرات المرات ؟ ربما حدث ..وربما كنت في المرة العاشرة أو العشرين قادرا أن تنفعل معه ؟ أن تضحك على مواقفه الظريفة أو تحزن لأحداثه المأساوية ..لكن الذي لا أستطيع أبدا أن أفهمه ..كيف لا يزال يدهشك ؟
لا جديد لديّ أقوله ، ولا جديد حدث ولا يبدو أن جديدا سيحدث ، محكمة الاستئناف تصدق على على حكم الحبس على ابراهيم عيسى وتخففه من 6 شهور الى شهرين ..وترفض العدالة معصوبة العينين –أو العمياء- الاستماع الى شهود النفي أو الى نقيب الصحفيين ، وتقر في حكمها نفس التهمة الموجهة لعيسى بأن ما نشره عن صحة الرئيس أدى الى اصابة المواطنين بالرعب وتسبب في خسارة البورصة 350 مليون دولار مع أنه لا شيء يثير الرعب مثل هذا الحكم نفسه ..ستقول فئة ما يقال كل مرة عن أنه لا تعقيب على أحكام القضاء التي هي عنوان الحقيقة ..وسترد فئة أخرى بكلام عن غياب الحرية والديمقراطية ..وسيصرخون ويبح صوتهم في حديث عن الوضع المزري الذي وصلنا اليه والخطوات الواسعة التي نخطوها في انتهاك حقوق الانسان ..
سوف يتظاهرون وتأتي بهم العدسات واقفين ومعتصمين على درج نقابة الصحفيين يطالبون بحريته ، وترد الفئة الأولى أنه تجاوز وكذب ولفق ويستحق السجن ، وأنه لا تهاون في أمن البلاد ، ولا تسامح مع الذين يبثون الرعب ، فيعود اﻵخرون يصرخون ، ويشقون الجيوب على حرية الصحافة المسلوبة ، ويثرثرون حول وعود مرت عليها سنوات ولم ينفذ شيء منها ، ويسخرون من ضعف النظام وقلة حيلته وارتجافه من حبر يخطه كاتب على ورق ، وسوف يصرخ هؤلاء ويرد أولئك ، ويبقى أصحاب التيجان صامتين ، يتابعون من فوق أبراجهم العالية ، فان استدعت الأمور حركت أصابعهم الخيوط فدخلت عرائس وخرجت أخرى ، وهم في عليائهم لا يطالهم غبار المعارك ، ثم يطوي النسيان كل شيء..لن يحدث الا ما حدث من قبل ، ولا شيء أقوله الا ما قلته من قبل ، وكل سنة ونحن طيبون ..كما كنا من قبل .
أحفظ رأسي في الخزائن الحديديه
وعندما أبدأ رحلتي النهاريه
أحمل في مكانها مذياعا
أنشر حولي البيانات الحماسية والصداعا
وبعد أن أعود في ختام جولتي المسائيه
أحمل في مكان رأسي الحقيقيه
قنينة الخمر الزجاجيه !
شعر..أمل دنقل
قصيدة..فقرات من كتاب الموت
ديوان..تعليق على ما حدث
هل سبق أن شاهدت فيلما أكثر من مرة ؟ غالبا حدث..هل سبق أن شاهدت نفس الفيلم عشرات المرات ؟ ربما حدث ..وربما كنت في المرة العاشرة أو العشرين قادرا أن تنفعل معه ؟ أن تضحك على مواقفه الظريفة أو تحزن لأحداثه المأساوية ..لكن الذي لا أستطيع أبدا أن أفهمه ..كيف لا يزال يدهشك ؟
لا جديد لديّ أقوله ، ولا جديد حدث ولا يبدو أن جديدا سيحدث ، محكمة الاستئناف تصدق على على حكم الحبس على ابراهيم عيسى وتخففه من 6 شهور الى شهرين ..وترفض العدالة معصوبة العينين –أو العمياء- الاستماع الى شهود النفي أو الى نقيب الصحفيين ، وتقر في حكمها نفس التهمة الموجهة لعيسى بأن ما نشره عن صحة الرئيس أدى الى اصابة المواطنين بالرعب وتسبب في خسارة البورصة 350 مليون دولار مع أنه لا شيء يثير الرعب مثل هذا الحكم نفسه ..ستقول فئة ما يقال كل مرة عن أنه لا تعقيب على أحكام القضاء التي هي عنوان الحقيقة ..وسترد فئة أخرى بكلام عن غياب الحرية والديمقراطية ..وسيصرخون ويبح صوتهم في حديث عن الوضع المزري الذي وصلنا اليه والخطوات الواسعة التي نخطوها في انتهاك حقوق الانسان ..
سوف يتظاهرون وتأتي بهم العدسات واقفين ومعتصمين على درج نقابة الصحفيين يطالبون بحريته ، وترد الفئة الأولى أنه تجاوز وكذب ولفق ويستحق السجن ، وأنه لا تهاون في أمن البلاد ، ولا تسامح مع الذين يبثون الرعب ، فيعود اﻵخرون يصرخون ، ويشقون الجيوب على حرية الصحافة المسلوبة ، ويثرثرون حول وعود مرت عليها سنوات ولم ينفذ شيء منها ، ويسخرون من ضعف النظام وقلة حيلته وارتجافه من حبر يخطه كاتب على ورق ، وسوف يصرخ هؤلاء ويرد أولئك ، ويبقى أصحاب التيجان صامتين ، يتابعون من فوق أبراجهم العالية ، فان استدعت الأمور حركت أصابعهم الخيوط فدخلت عرائس وخرجت أخرى ، وهم في عليائهم لا يطالهم غبار المعارك ، ثم يطوي النسيان كل شيء..لن يحدث الا ما حدث من قبل ، ولا شيء أقوله الا ما قلته من قبل ، وكل سنة ونحن طيبون ..كما كنا من قبل .
***
لمتابعة ما كتبته من قبل :
قضية ابراهيم عيسى ومحاكمة عزرائيل
قضية ابراهيم عيسى ومحاكمة عزرائيل 2
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)